مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
62
موسوعه أصول الفقه المقارن
قبل ورود الشرع ، فكيف يصح والحال هذه التمسّك بالعقل للحكم بالحظر أو الإباحة ؟ ! وبعبارة أُخرى : لابدّ في كلّ حكم من حاكم ، وهو هنا مفقود ؛ لأنّ العقل لم يستقل به ، والشريعة مفروضة العدم « 1 » . وأُجيب عنه : بأنّ العقل إنّما لا يستقل بالحسن والقبح إذا لم يكن مسبوقاً بالفحص عن المفسدة المحتملة للأعيان أو الأفعال الخارجية ، وأمّا بعد الفحص والملاحظة وعدم العثور على المفسدة فبإمكانه الاستقلال في الحكم بالإباحة أو الحظر ، ولا تناقض بين الفرض والاستدلال كما هو واضح « 2 » . ومنها : أنّ الإقدام على ما لا يؤمن مفسدته كالإقدام على ما يعلم مفسدته « 3 » . وأورد عليه بأنّ من أقام دليلًا على الإباحة يقطع ضمناً بعدم المفسدة « 4 » . ثمرة البحث في أصالة الإباحة الواقعية ذكر بعضهم أنّه لا ثمرة لهذا البحث بعد عدم وجود زمان ليس فيه شريعة « 5 » ؛ لأنّها كانت قائمة من لدن آدم إلى يومنا هذا ، فمنذ أن خلق آدم توجه إليه الخطاب بقوله تعالى : « يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ » « 6 » . وبعد أن هبط هو وزوجه إلى دار التكليف خاطبهما ربّهما بقوله : « فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » « 7 » فليس هناك فترة خالية عن الشريعة حتى يمكن التمسّك بأصالة الإباحة فيها . نعم ، ذكر بعضهم أنّ الثمرة تظهر في قوم لم تبلغهم دعوة الأنبياء ، حيث يمكن لهؤلاء التمسّك بأصالة الإباحة أو الحظر في موارد الشك في التحريم « 8 » . وهناك ثمرة أُخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في تعارض الخبرين المتكافئين الجامعين لشروط الحجّية ، فيما لو كان مدلول أحدهما الإباحة والآخر الحرمة ، حيث يقدّم الخبر المبيح على الحاظر بناءً على أصالة الإباحة ، ويقدّم الحاظر على المبيح بناءً على أصالة الحظر « 9 » . لكن الذي يظهر من جماعة أنّ تقديم أحدهما على الآخر لا يستند إلى القول بأصالة الإباحة أو الحظر ، بل إلى أدلة أخرى مذكورة في باب التعارض « 10 » . ابتلاء حسن الأحمدي الشاهرودي أوّلًا : التعريف لغةً افتعال من البلاء ، بمعنى الامتحان والاختبار « 11 » ، وإطلاق البلاء والبلية على المشقة والمصيبة النازلة باعتبار ما فيها من الاختبار وظهور باطن الإنسان . بل قد يطلق على النعمة أيضاً ؛ لما فيها من الاختبار أحياناً ، قال
--> ( 1 ) . شرح مختصر المنتهى 2 : 101 - 102 . ( 2 ) . مطارح الأنظار 2 : 405 . ( 3 ) . العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 742 . ( 4 ) . المصدر السابق . ( 5 ) . العدّة في أصول الفقه ( أبي يعلى ) 2 : 266 ، المسوّدة : 432 - 433 . ( 6 ) . البقرة : 35 . ( 7 ) . البقرة : 38 . ( 8 ) . التمهيد في أصول الفقه 4 : 271 - 272 ، ونقل عنه في المسوّدة : 432 . ( 9 ) . العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 1 : 152 . ( 10 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 1 - 4 : 175 - 177 ، فرائد الأصول 2 : 117 و 4 : 154 - 156 . ( 11 ) . معجم مقاييس اللغة 1 : 293 ، مادة « بلوى » ، لسان العرب 1 : 359 ، مادة « بلى » و « بلا » ، المصباح المنير : 62 ، مادة « بلى » ، القاموس المحيط : 1163 ، مادة « بلي » .