مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
61
موسوعه أصول الفقه المقارن
حكم ، فيمكن أن تكون هناك واقعة لا حكم لها « 1 » . على أنّه كما تحتاج الأحكام الأربعة إلى دليل لإثباتها كذلك تحتاج الإباحة إلى دليل لإثباتها « 2 » . الرأي الثاني : هو أنّ الأصل في الأشياء الحظر ، وهو مختار طائفة من الإمامية « 3 » ، وأبي حنيفة « 4 » ، والمعتزلة البغداديون ، وأبي علي ابن أبي هريرة من فقهاء الشافعية « 5 » ، مستدلين له بأنّ كلًاّ من الإنسان والأعيان الخارجية مملوكين للَّهتعالى ، وكل فعل أو تصرّف فيهما يعد تصرّفاً في ملك الغير بدون إذنه ، وهو حرام « 6 » . وأورد عليه : أولًا : أنّ مجرد امتلاكه تعالى للإنسان ولأفعاله لا يعني عقلًا أكثر من أنّ له منعه من الفعل أو التصرّف في ملكه ، ولذا كان المرتكز عند العقلاء أنّ المنع عن ملك اللَّه تعالى يحتاج إلى بيان ، ولا مجال لقياس ذلك بالملكية الاعتبارية للإنسان القاضية بحرمة التصرف في ملك الغير من دون إذنه ؛ لأنّ الحكمة من اعتبار الملكية عند الإنسان هو ترتب بعض الأحكام عليها كاستقلال المالك في ملكه ، واستأذان الآخرين منه في التصرف ، وهو ممّا لا ضرورة له في ملك اللَّه تعالى إلّابمقدار سلطنته عليه والمنع عنه متى شاء « 7 » . وثانياً : أنّ الإذن معلوم بدليل العقل ، فهو كدلالة العقل على إباحة الاستظلال « 8 » . وثالثاً : أنّ التصرف في ملك الغير إنّما يقبح أو يحسن إذا انطبق عليه ما يقبح من العناوين كالإضرار بالغير الذي هو من الظلم ، وهو ممّا لا مجال لتصوره في ملك اللَّه تعالى ؛ لأنّ ملكه واسع لاحدّ له ولا ينتفع هو به ولايتضرر بتصرف الآخرين به ، فلا معنى لاحتمال عدم رضاه مع أنّه خالق الخلق وكلّهم عياله وتحت رعايته ، بخلاف سائر الناس فإنّهم ينتفعون بأملاكهم ويصرفونها في حوائجهم ، فمزاحمتهم فيها تعدّ إضراراً بهم وظلماً عليهم « 9 » . الرأي الثالث : التوقف ، وهو مذهب المفيد والطوسي « 10 » ، وبه قال أهل الظاهر وطوائف من أهل القياس « 11 » ، وهو مختار الأشعرية . « 12 » واستدلوا له بعدة أدلة : منها : ما ذكره الحاجبي من أنّ التوقف يعدّ نتيجة طبيعية للمفروض في المسألة ؛ لأنّ الكلام في الأفعال والأعيان الخارجية التي لم يستقل العقل بحسنها أو قبحها
--> ( 1 ) . مطارح الأنظار 2 : 413 - 414 . ( 2 ) . المصدر السابق 2 : 413 - 414 . ( 3 ) . نقل ذلك عنهم : العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 742 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 47 ، القوانين المحكمة : 255 . ( 4 ) . نسبه إليه السيوطي في الأشباه والنظائر : 60 . ( 5 ) . اللمع : 246 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 47 ، نهاية الوصول ( العلّامةالحلّي ) 1 : 139 ، إتحاف ذوي البصائر 1 : 416 . ( 6 ) . انظر : المعتمد 2 : 320 - 321 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 49 ، شرح مختصر المنتهى 2 : 101 ، معارج الأصول : 203 ، تهذيب الوصول : 56 ، الحاشية على كفاية الأصول 2 : 217 ، نهاية الأصول 1 - 2 : 570 ، زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 190 - 191 ، إتحاف ذوي البصائر 1 : 417 . ( 7 ) . المحكم في أصول الفقه 4 : 14 - 15 وانظر : مذكرة أصول الفقه : 19 - 20 . ( 8 ) . المحصول ( الرازي ) 1 : 50 وانظر : بذل النظر : 665 ، تهذيب الوصول : 56 . ( 9 ) . مطارح الأنظار 2 : 415 - 416 ، نهاية الأصول 1 - 2 : 570 - 571 . ( 10 ) . التذكرة بأصول الفقه : 43 ، العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 742 . ( 11 ) . نقله عنهم ابن حزم في الإحكام 1 - 4 : 52 . ( 12 ) . نسبه إليهم الشيرازي في اللمع : 246 ، وانظر : العُدّة في أصول الفقه ( أبي يعلى ) 2 : 260 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 47 ، القوانين المحكمة : 255 .