مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
377
موسوعه أصول الفقه المقارن
وعقد ابن قيم الجوزية فصلًا بعنوان : تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال ، وتطرّق لجملة من الأحكام الشرعية التي تبدّلت بسبب تبدّل الزمان والمكان « 1 » . ويقول الشاطبي : - بعد تقسيمه الأحكام إلى عبادات وعادات - : وأصل العادات الالتفات إلى المعاني ودوران نظر الشارع فيها مدار المصالح ، فنجد الشيء المعيّن يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة ويجوز إذا اشتمل عليها « 2 » . وآخرون منهم : ابن عابدين « 3 » ، وأحمد مصطفى الزرقا « 4 » ، ووهبة الزحيلي « 5 » . ويمتاز فقهاء الإمامية عن غيرهم في أنهم حكّموا هذا الأصل في عملية الاستنباط وفقاً لضوابط علمية مفصّلة ، بعيدة عن الاستصلاح والاستحسان والقياس « 6 » ، وهذه الضوابط هي كالتالي : 1 - تأثير الزمان والمكان في تطبيق الموضوعات على مواردها ، وإنّ الموضوعات الشرعية - من قبيل الاستطاعة ، والفقر ، والغنى ، والنفقات الواجبة ، وإمساك الزوجة بالمعروف - لا شك في تغيّر مصاديقها حسب تغيّر أساليب الحياة وحاجاتها من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر . 2 - تأثيرهما في تغيّر الحكم بتغير المناط ، فإنّ ما صرّح الشارع بملاكه من الأحكام منوط ثبوتاً بثبوت الملاك وانتفاءً بانتفائه ، ومثاله : حرمة بيع الدم بملاك انتفاء المنفعة المحلّلة فيه ، وحلّيته لاحقاً ؛ لظهور المنفعة المحلّلة فيه وهي انقاذ المرضى المحتاجين إليه . وحرمة قطع أعضاء الميّت واعتباره من المُثلة المحرّمة ، وحلّيته بملاك زرعها في أبدان من تتوقف حياتهم عليها . 3 - تأثيرهما في كشف مصاديق جديدة للموضوع ، ومثاله : الدفاع ووجوب الإعداد لمواجهة المعتدين المأمور به في الآية : « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » « 7 » فإنّ الوقت الحاضر يتطلب الدفاع بالآلات الحربية المتعارفة ، وهكذا في سائر المجالات الأخرى ووسائلها المختلفة من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر ، كوسائل التعليم والشؤون الإنسانية الأخرى ، ومصاديق الأحكام الأخرى كالاحتكار « 8 » . 4 - تأثيرهما في تغيّر أساليب تنفيذ الحكم ، كالانتفاع بالآجام والأراضي الموات الذي كان محلّلًا للناس في الماضي في حدود أساليب الانتفاع المحدودة المتعارفة آنذاك ، ومع تطور أساليب الانتفاع واتساع حجمها دعت الحاجة إلى وضع أحكام كفيلة بالحدّ من أن يتمادى الانسان في جشعه بالانتفاع بها . ومن هذا القبيل فتوى القدماء بملكية الإنسان للمعادن الموجودة في أرضه بما يعد انتفاعاً بأرضه . 5 - تأثيرهما في بلورة موضاعات جديدة ، وبابه المسائل المستجدة في مجالات الطب والتأمين والتجارة وحقوق النشر والتأليف والاختراع وغيرها .
--> ( 1 ) . أعلام الموقّعين 3 : 3 وما بعدها . ( 2 ) . الموافقات 2 : 305 . ( 3 ) . رسائل ابن عابدين 2 : 123 . ( 4 ) . المدخل الفقهي العام 2 : 924 - 925 . ( 5 ) . أصول الفقه الإسلامي 2 : 1116 - 1118 . ( 6 ) . مقدمة نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 5 : 109 - 125 . ( 7 ) . الأنفال : 60 . ( 8 ) . انظر : جواهر الكلام 22 : 481 - 483 ، مفتاح الكرامة 4 : 107 ، وسيلة النجاة 2 : 8 ، ابتغاء الفضيلة 1 : 197 ، مصباح الفقاهة 3 : 818 .