مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

349

موسوعه أصول الفقه المقارن

وأشكل عليه بعدم تمامية الآلية بهذا المعنى كما تقدم « 1 » . ولكن مع ذلك ، ذهب جماعة إلى صحة إطلاق اللفظ وإرادة شخصه ، وإن لم يصدق عليه الاستعمال ، بل هو من قبيل إلقاء الموضوع والحكم عليه « 2 » ؛ لأنّ الألفاظ بنفسها قابلة للحضور في الأذهان ، بلا حاجة في إبرازها وإحضارها فيه إلى آلة تبرزها ، بخلاف المعنى فإنّه يحضر في الذهن بواسطة اللفظ « 3 » . 2 - استعمال اللفظ وإرادة نوعه وصنفه إذا أطلق اللفظ وأريد نوعه وصنفه ، كما في قول القائل : « ضرب في جملة : ( ضرب زيد ) ، فعل ماض وزيد فاعل » ، أو قوله : « زيد لفظ » ، وأريد طبيعي ذلك اللفظ وفيه قولان : القول الأوّل : ذهب جماعة من الأصوليين إلى أنّ هذا أيضاً ليس من باب الاستعمال كما صرّح به المحقّق الخراساني « 4 » . وتبعه على ذلك جماعة كالمحقّق العراقي « 5 » ، والمحقّق البروجردي « 6 » ، والسيد الخوئي « 7 » . واستدلّ له أوّلًا : أنّ ملاك الاستعمال - كما تقدم - هو حكاية اللفظ عن المعنى وفناء اللفظ فيه ، ولازمه التعدّد والاثنينية بين اللفظ والمعنى ، وليس هذا الشرط موجوداً في المقام ، نعم الموجود بهذا الإطلاق هو شخص اللفظ الصادر من المتكلم مع إرادة طبيعي ذلك اللفظ الجامع بينه وبين غيره . ولا يوجد الطبيعي في الخارج إلّابوجود فرده ، فحينئذٍ لا يعقل أن يجعل وجود الفرد فانياً في وجود الكلّي ؛ لعدم الاثنينية بينهما خارجاً ، ولا يمكن أن يكون وجود الفرد واسطة لإحضار الطبيعي في الذهن ؛ لأنّ الواسطة تقتضي التعدّد في الوجود ، ولا تعدّد هنا أصلًا . وثانياً : يمتنع كون الفرد والجزئي مرآة للطبيعي والكلّي ، من جهة أنّ الفرد والكلّي وإن كانا متحدين وجوداً وخارجاً ، لكنهما متغايران مفهوماً وذهناً ، ومع تغايرهما لا يمكن حكاية الفرد عن الكلّي . ولكن مع ذلك يصح إطلاق اللفظ وإرادة نوعه وإن لم يصدق عليه الاستعمال ؛ لأنّه من قبيل إحضار الطبيعي وإيجاده في ذهن المخاطب بإرادة فرده ، فالمتكلم بذلك اللفظ قصد ثبوت الحكم للطبيعي ليسري منه إلى أفراده ، وقد أحضره في ذهنه بلا واسطة ، فبعد إمكان إحضاره لا مانع من الحكم عليه « 8 » . القول الثاني : ذهب جماعة إلى كون إطلاق اللفظ وإرادة نوعه وصنفه من باب الاستعمال ، كالمحقّق النائيني « 9 » ، والإمام الخميني « 10 » ، والشهيد الصدر « 11 » ، فيكون اللفظ الصادر من المتكلم بواسطة القرينة أو المناسبة بين الحكم والموضوع حاكياً عن نوعه وصنفه ودالًا عليهما ، إذ ليس معنى الدلالة والحكاية إلّاكون الشيء يفهم منه المعنى ، فاللفظ آلة لتفهيم نفس الطبيعة أو صنف منها بواسطة إيجاد الصورة في الذهن ، فإذا قال : « ضرب فعل ماضي » انتقل المخاطب عن لفظه المتصور بتبع صورته إلى طبيعي اللفظ ، وليس هذا إلّااستعمال اللفظ في المعنى ، لكن المعنى ليس هو الموضوع له ، بل هو طبيعي اللفظ « 12 » . ثمّ إنّ مصحّح هذا الاستعمال وفناء اللفظ في المعنى هنا - بناءً على هذا المسلك في حقيقة الاستعمال - هو كون اللفظ الصادر بنفسه متحدّاً مع المفني فيه خارجاً ، والارتباط بينهما أشدّ من الارتباط الجعلي ، وهذا الاتحاد الذاتي بينهما يصحّح الحكاية والفناء « 13 » . كما ذهب الأدباء من الجمهور إلى أنّ هذا من باب الاستعمال ، لكنه بعد تأويله إلى إرادة لفظ ضرب مثلًا أو مسمّى زيد منه « 14 » . 3 - استعمال اللفظ وإرادة مثله إذا أطلق اللفظ وأراد مثله ، كما لو قال : « زيد قائم » ، فقلت : « زيد الواقع في كلامه مبتدأ » ، فإنّ موضوع الحكم ليس خصوص ما تكلم به اللافظ الثاني ، بل يشمل مثل الواقع من المتكلم الأول وفيه قولان : القول الأوّل : ذهب جماعة إلى أنّه من قبيل الاستعمال ؛ لأنّ « زيد » في الكلام الثاني وسيلة وآلة للحاظ مماثله ، فيكون دالًا والمماثل مدلولًا ، فيكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى كما هو مختار جماعة ، كالمحقّق الخراساني « 15 » ، والنائيني « 16 » ، والإمام الخميني « 17 » ، والشهيد الصدر « 18 » ، بل نسب ذلك إلى مشهور الأصوليين « 19 » .

--> ( 1 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 1 : 146 . ( 2 ) . نهاية الأفكار 1 - 2 : 61 . ( 3 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 98 ، مناهج الوصول 1 : 108 - 109 . ( 4 ) . كفاية الأصول : 14 - 15 . نعم احتمل في آخر كلامه كونه من قبيل‌الاستعمال فيما إذا أريد به نوعه ، لكنه احتمال ضعيف يعرّف عنه قوله : « اللّهم إلّاأن يقال » . ( 5 ) . نهاية الأفكار 1 - 2 : 61 - 62 . ( 6 ) . نهاية الأصول 1 - 2 : 32 . ( 7 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 100 . ( 8 ) . انظر : نهاية الأفكار 1 - 2 : 62 - 63 ، نهاية الأصول 1 - 2 : 33 ، محاضرات في أصول الفقه 1 : 100 . ( 9 ) . أجود التقريرات 1 : 44 - 45 . ( 10 ) . تهذيب الأصول 1 : 47 - 48 . ( 11 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 1 : 147 - 148 . ( 12 ) . مناهج الوصول 1 : 110 . ( 13 ) . أجود التقريرات 1 : 45 . ( 14 ) . شرح الرضي على الكافية 1 : 28 - 29 ، مغني اللبيب 2 : 462 . ( 15 ) . كفاية الأصول : 15 . ( 16 ) . أجود التقريرات 1 : 44 - 45 . ( 17 ) . مناهج الوصول 1 : 109 ، 112 . ( 18 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 1 : 147 - 148 . ( 19 ) . انظر : محاضرات في أصول الفقه 1 : 100 .