مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
287
موسوعه أصول الفقه المقارن
أركان الاستصحاب إلَّااليقين السابق والشكّ اللاحق ، فإنَّ اليقين فيه لاحق والشكّ سابق ، ومثاله : أن نتيقَّن حالياً بظهور اللفظ في معنى معيَّن ، ونشكُّ بثبوت هذا الظهور عهد صدوره من المعصوم ، وكذلك إذا تيقَّنا بأنَّ الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا الحاضر ، وشككنا في هذه الحقيقة في العرف الماضي ، فمقتضى هذا الاستصحاب كونها كذلك في ذلك الزمان أيضاً . ويبدو حجّية هذه القاعدة في الأصول اللفظية لدى الشيعة « 1 » بدليل سيرة العقلاء والعلماء ، بل لولاه لانسدَّ باب الاجتهاد والاستنباط ، ولاحتملنا في كلّ رواية أنَّها ظاهرة عرفاً في معنى عهد الصدور قد تغيَّر هذا المعنى حالياً « 2 » . وهذا ممّا يبدو من أصوليي أهل السنّة في الأصول اللفظية - أيضاً - بدليل أنَّ الأصل عدم تغيُّر الوضع « 3 » ، أمَّا في غيرها فقد قال الشيخ تقي الدين السبكي : « ولم يقل به الأصحاب إلَّافي مسألة واحدة ، وهو ما إذا اشترى شيئاً فادَّعاه مدَّع وانتزعه منه بحجَّة مطلقة ، فإنَّهم أطبقوا على ثبوت الرجوع للمشتري على البائع من باب الاستصحاب المقلوب ، فإنَّ الحجّة تثبت عدم الانتقال « 4 » ، وأضيف إلى ذلك أمثلة أخرى من قبيل : لو أحرم بالحج وشكَّ هل أحرم قبل أشهره أو بعدها كان محرماً بالحج ، قالوا : لأنَّه على يقين منه هذا الزمن ، وفي شكٍّ ممَّا تقدَّمه ، فيجري الاستصحاب القهقري » « 5 » . 4 - الأصل المثبت وهو الأصل الذي يُراد به إثبات الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لمؤدّاه ، وفي مجال الاستصحاب يطلق هذا الاصطلاح على الأصل الذي تقع فيه الواسطة غير الشرعية - عقلية أو عادية - بين المستصحب والأثر الشرعي الذي يراد إثباته على أن تكون الملازمة بينهما - أي بين المستصحب والواسطة - في البقاء فقط « 6 » . وبتعبير آخر : الأصل الذي يراد من خلاله إثبات الآثار واللوازم العقلية التي يكون ارتباطها بالمستصحب تكوينياً وليس بالجعل والتشريع ، كنبات اللحية اللازم تكويناً لبقاء زيد حيّاً ، وموته اللازم تكويناً من بقائه إلى جانب الجدار إلى حين انهدامه « 7 » . وسُمِّي مثبتاً ؛ لأنَّه يثبت لازماً غير شرعي لملزوم شرعي يراد إثبات الحكم الشرعي له « 8 » . وحقيقة هذا الأصل كونه يضمُّ بعض أركان الاستصحاب ويفقد بعضاً آخر ، مثل اليقين السابق ، فإنّا نفتقد اليقين في مثل نبات اللحية بالنسبة إلى الشخص الذي تركناه منذ عشرين عاماً « 9 » . هذا مع أنَّه يثبت لازماً غير شرعي ، سواءاً كان عقلياً أو عادياً ، فالأثر الشرعي في الاستصحاب يترتب على نفس المستصحب ، بينما في الأصل المثبت يترتب على اللازم العقلي أو العادي للمستصحب لا على نفسه .
--> ( 1 ) . فرائد الأصول 3 : 254 . ( 2 ) . مصباح الأصول 3 : 9 ، مصباح الفقاهة 2 : 15 ، مباني الاستنباط 4 : 9 ، الاستصحاب ( كوثراني ) : 63 ، فقه الصادق 15 : 197 . ( 3 ) . البحر المحيط 6 : 25 . ( 4 ) . الأشباه والنظائر ( السبكي ) 1 : 40 ، ونقله عنه السيوطي في الأشباهوالنظائر : 76 . ( 5 ) . البحر المحيط 6 : 26 . ( 6 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 450 ، الاستصحاب ( كوثراني ) : 63 . ( 7 ) . دروس في علم الأصول 2 : 490 . ( 8 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 63 . ( 9 ) . انظر : المصدر السابق : 63 - 66 .