مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
196
موسوعه أصول الفقه المقارن
البراءة وعدم لزوم اجتناب مشكوك أو متوهّم الحرمة « 1 » . ولذا ذكر النراقي أنّه يجب « حمل أخبار الاحتياط على الاستحباب كما هو رأي معظم الأصوليين من الأصحاب ، وقد عرفت ظهور أكثر أخبار الاحتياط في هذا الحمل » « 2 » . الدليل الثاني : العقل ، فإنّه حاكم بحسن الاحتياط ورجحانه « 3 » ، وذكر الشيخ كاشف الغطاء بأنّ الاحتياط ممّا حكمت به بديهة العقل واتفق عليه العقلاء « 4 » . الدليل الثالث : السيرة ، فإنّ السيرة من العقلاء والمتشرعة قائمتان على استحباب الاحتياط ورجحانه شرعاً « 5 » . الدليل الرابع : الإجماع ، وقد ادّعاه النراقي « 6 » . القول الثاني : وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية . وهو الذي يُنسب إلى مذهب المالكية من أهل السنّة وذهب إليه الأخباريون وبعض المجتهدين « 7 » من الشيعة . ويستدلّ لمذهب المالكية بعدّة أدلة : الأول : قوله تعالى : « اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » « 8 » . فإنّه تعالى أمر باجتناب بعض ما ليس بإثم خشية الوقوع فيما هو إثم ، وهو الاحتياط « 9 » . الثاني : قوله صلى الله عليه وآله : « الحلال بيّن ، وأنّ الحرام بيّن ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه وأنّ لكلِّ ملك حمى ، وأنّ حمى اللَّه محارمه » « 10 » . إلى غير ذلك من الروايات التي تأمر باجتناب الشبهات « 11 » . وأطال ابن حزم كثيراً في مناقشة تلك الروايات ، وذكر بأ نّها صريحة في أنّ ما حول الحمى ليس من الحمى ، وأنّ المشتبهات لم يثبت اليقين بوجوب اجتنابها ، وأنّ شيئاً إذا لم يقطع بكونه من الحرام فهو على حكم الحلال « 12 » . هذا مضافاً إلى أنّ السيرة المتّصلة بعصر المعصوم عليه السلام قائمة على جواز أكل ولبس وركب ووطء واستخدام ما يوجد في سوق المسلمين « 13 » . الثالث : أنّ الحرام يكون حراماً بأدنى سبب وبأقل شبهة ، كتحريمه تعالى نكاح ما نكح الآباء بمجرد العقد عليهن وإن لم يكن وطء ، وأمّا التحليل فلا يثبت إلّابأقوى الأسباب ، كتحليل المطلّقة ثلاثاً فإنّها لا تحلّ بمجرّد العقد ، بل لابدّ من الوطء « 14 » . ونوقش فيه : بأنّ القول بكون التحريم يثبت بأدنى
--> ( 1 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 302 . ( 2 ) . جامعة الأصول : 105 . ( 3 ) . انظر : الفوائد الحائرية : 446 ، الفصول الغروية : 350 ، كفاية الأصول : 349 ، فوائد الأصول 3 : 398 ، مصباح الأصول 2 : 303 ، تهذيب الأصول ( الخميني ) 2 : 229 ، تحريرات في الأصول 7 : 222 . ( 4 ) . كشف الغطاء 1 : 231 . ( 5 ) . المصدر السابق 1 : 232 . ( 6 ) . عوائد الأيام : 500 . ( 7 ) . هداية الأبرار : 223 - 224 . ( 8 ) . الحجرات : 12 . ( 9 ) . الأشباه والنظائر ( السبكي ) 1 : 110 . ( 10 ) . صحيح البخاري 1 : 28 كتاب الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ح 52 . ( 11 ) . انظر : الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 179 - 191 . ( 12 ) . المصدر السابق : 180 - 182 . ( 13 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 183 ، كشف الغطاء 1 : 232 . ( 14 ) . انظر : الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 187 .