مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
180
موسوعه أصول الفقه المقارن
ولكن التحقيق عدم الإجمال ، وأنّ بالتخصيص لا يسقط العامّ عن الحجّية بالنسبة للباقي ، وهذا ما نسبه الآمدي إلى الفقهاء « 1 » ، وقال الشيخ جمال الدين : « لا أعرف في ذلك من الأصحاب مخالفاً » « 2 » . وهذا النزاع يبتني في الحقيقة على نزاع آخر ، وهو أن العام بعد التخصيص هل هو مجاز في الباقي أم لا ؟ ( عموم ، خصوص ) الأمر الخامس : الوظيفة تجاه الدليل المجمل لابدّ لكلّ مكلّف من تعيين موقفه عملًا واعتقاداً مع إجمال الدليل ، ونحاول ذكره ضمن ما يلي : 1 - التوقف عن الإفتاء بالدليل المجمل ، لا يجوز للفقيه الاستناد في مقام الإفتاء إلى ما ليس له دلالة وظهور ذاتاً ، أو يكون له ظهور ولكنه غير حجّة - وهو الذي عبّرنا عنه بالمجمل حكماً - وذلك لفرض عدم الدلالة . وكذلك المتشابه الذي له ظهور غير مراد ؛ لفرض العلم بعدم إرادة ظاهره ، لا يجوز معه العمل بالخطاب والاستناد إليه في مقام الإفتاء ، بل يجب التوقف عن الفتوى مطلقاً مع انحصار الدليل في هذا الخطاب المجمل « 3 » . والدليل عليه الأدلة المانعة عن الإفتاء بغير علم من الآيات والروايات ، كقوله تعالى : « قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » « 4 » ، وقوله تعالى : « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ » « 5 » ، وغيرها ممّا ورد في هذا المضمون ، وكقوله صلى الله عليه وآله : « من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة الأرض وملائكة السماء » « 6 » . وقوله : « من أفتى بِفُتيا من غير ثبتٍ فإنّما إثمه على من أفتاه » « 7 » ، والثبت هو التثبّت والفحص لكسب العلم ليكون الفتوى عن حجّة . وقول أبي عبداللَّه عليه السلام : « القضاة أربعة ، ثلاثة في النار وواحد في الجنّة ، رجل قضى بجور وهو يعلم ، فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم ، فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم ، فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو يعلم ، فهو في الجنّة » « 8 » . وقد يستدل للمقام بأنّ الإقدام على ما لا دليل عليه تعرّض للخطأ ، وهو مخالف لتعظيم أحكامه تعالى ، ويدل على قلّة المبالاة في الدين وذلك لا يجوز « 9 » . هذا كلّه بالنسبة للدليل المجمل في مقدار إجماله ، وأمّا الدليل إذا كان غير مجمل من بعض الجهات - وإن كان مجملًا من جهات أخرى - فيجوز الاستناد إليه والفتوى به في مقدار دلالته ، وليس ذلك من الاستناد إلى المجمل . وكذلك كاللفظ المطلق إذا لم يكن بصدد البيان من جميع الجهات ، بل من بعض الجهات ، فإنّه يجوز الاستناد إليه بالنسبة لما كان بصدد بيانه . وكذلك الإجماع والسيرة
--> ( 1 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 440 . ( 2 ) . معالم الدين : 116 . ( 3 ) . ميزان الأصول 1 : 517 ، روضة الناظر : 94 ، البحر المحيط 3 : 456 ، التحبير شرح التحرير 6 : 2752 ، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن 3 : 1225 . ( 4 ) . يونس : 59 . ( 5 ) . الصف : 7 . ( 6 ) . المحاسن 1 : 205 ، وسائل الشيعة 27 : 29 - 30 كتاب القضاء ، باب ( 4 ) عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم ح 31 . ( 7 ) . سنن الدارمي 1 : 57 ، باب الفتيا وما فيه من الشدة حديث أبي هريرة ، المستدرك على الصحيحين 1 : 216 كتاب العلم ، فصل في توقير العالم ح 147 . ( 8 ) . وسائل الشيعة 27 : 173 كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي باب ( 12 ) وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى ح 66 . ( 9 ) . انظر : شرح مختصر الروضة 2 : 655 .