مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
126
موسوعه أصول الفقه المقارن
وقد وصف الغزالي المنطق بأ نّه معيار وميزان العلوم « 1 » . ويمكن بالتأمّل في هذا الدليل ملاحظة بطلان دليل من يذهب إلى عدم ضرورة المنطق في الاجتهاد ، حيث إنّ في اعتقادهم جريان المنطق في عملية التفكير ذاتياً إشكالًا ، وهو أنّه يجب أن لا نطمئنّ بانطباق المنطق في كلّ المواضع بشكل صحيح ، سيّما في المواضع التي يسلك الفكر فيها طرقاً وعرة مملوءة بالعقبات ، فيجب أن نعرض الفكر على معيار منطقي باستمرار ، وإلّا وقعنا في الخطأ ؛ لأنّ الاعتماد على الجريان الآلي للمنطق إنّما يكون ويصحّ في الاستدلالات الاعتيادية والسهلة ، وأمّا في الأمور المعقّدة ، وفي الحالات التي تزدحم الأفكار مع بعضها ، فلا سبيل للباحث سوى اللجوء إلى القواعد المنطقية . ويشير دليل القول الثاني ( ضرورة المنطق ) إلى هذه النقطة الأساسية ، وهي أنّه ما دام لم نعتمد على المنطق ، فلا ضمان لصحّة الاستدلال في جميع الموارد . والوحيد البهبهاني يرى أنّ علم الأصول من جملة العلوم التي تكون مركزاً ومجمعاً لما يحصل من الشكوك والتساؤلات ، وعلى هذا الأساس فإنّ الاستدلال لا يستحكم فيه إلّابإزاء القواعد المنطقية « 2 » . وقد ذهب في تأكيده على المنطق إلى حدٍّ اعتبر اجتناب التقليد في الفقه والعلوم المرتبطة به - والتي من جملتها علم الأصول - منوطاً بالحفاظ على قواعد علم المنطق ، فيقول : « . . . والاحتياج إليه لتصحيح المسائل الخلافية وغيرها من العلوم المذكورة ، إذ لا يكفي التقليد ، سيّما في الخلافيات » « 3 » . الشرط الخامس : استقامة الفهم بما أنّ عملية الاجتهاد ذات مسار مليء بالمنعطفات ، فلا يتمكن من اجتياز كلّ هذه المنعطفات والمسارات الملتوية ، إلّامن تمتع بذهن وقّاد ومنطقي ، وفي مقابل ذلك هناك أفراد - وبرغم امتلاكهم مستوى عالٍ من العلم - يمتازون بالانحراف وعدم الاستقامة ؛ لذا لن يصلوا إلى الاجتهاد الواقعي مطلقاً ، وبعبارة أخرى : فإنّ هذه الأفكار المنحرفة والسلائق الرديئة في الاجتهاد ، تفشل بمقدار نجاح العلماء ذوي البصائر في هذا المسير . يقول الوحيد البهبهاني في هذا الخصوص : « . . . أن لا يكون معوج السليقة ؛ فإنّه آفة للحاسة الباطنة » « 4 » . ثمّ يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول : « أعظم الشرايط استقامة الفهم وجودة النظر » « 5 » . كما أنّ النراقي اشترط في الاجتهاد عدم الانحراف واعوجاج السليقة ، فقال : « . . . أن لا يكون معوج السليقة مخالف الفهم للأكثر . . . فإنّ اعوجاج السليقة آفة للحاسة الباطنة » « 6 » . صور اعوجاج السليقة والانحراف نواجه صورتين للانحراف هما : ( أ ) الانحراف الذاتي : قد يكون الانحراف ذاتياً ناشئاً عن قلة التحرك ووجود خلل في الذهن ؛ أشار الوحيد البهبهاني إلى هذه الصورة قائلًا : « قسم يكون ذاتياً » « 7 » .
--> ( 1 ) . المستصفى 1 : 20 . ( 2 ) . الفوائد الحائرية : 336 . ( 3 ) . الرسائل الأصولية : 111 . ( 4 ) . الفوائد الحائرية : 337 . ( 5 ) . المصدر السابق . ( 6 ) . مناهج الأحكام والأصول : 264 . ( 7 ) . الفوائد الحائرية : 337 .