مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
108
موسوعه أصول الفقه المقارن
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 1 » . وهذا الدليل إنّما يتناسب مع عدم إمكان الجمع بين الوجوب والحرمة ، دون اجتماعهما مع غيرهما كاجتماع الوجوب مع الإباحة ، أو الحرمة والكراهة ؛ لإمكان الجمع بين متعلقيهما . ومن هنا فقد أكّد المحقّق النائيني على أنّ عدم الاجتماع لا دليل عليه من الشرع ، بل لابدّ من الاستدلال له من العقل « 2 » . والمعروف « 3 » بينهم أنّ سبب عدم الاجتماع هو التضاد بين الأحكام التكليفية « 4 » ، بل اعتبر ذلك بعضهم من المسلّمات « 5 » ، بل من البديهيات « 6 » . وهذا التضاد كما هو موجود بين الوجوب والحرمة موجود بين سائر الأحكام الأخرى ، وإنّما خصّهما بعضهم « 7 » بالذكر لشدة التضاد بينهما « 8 » ، فإنّه كما لا يجتمع الوجوب مع الحرمة لا يجتمع مع الاستحباب ؛ لأنّ في الوجوب مصلحة ملزمة وفي الاستحباب مصلحة غير ملزمة ، وهكذا بالنسبة للحرمة والاستحباب وغيرهما من أحكام « 9 » . وما يتراءى من اجتماع بعض الأحكام ، كالوجوب والاستحباب ، فهو لكونهما حكمين لجهتين لكلّ منهما حكمها ، كإطاعة الوالدين الواجبة المجتمعة مع إجابة الصديق المستحبة في فعل واحد « 10 » ، فهما من قبيل حرمة النظر إلى الأجنبية في الصلاة الواجبة ، فإنّ متعلق التحريم فيها هو النظر ، ومتعلق الوجوب الصلاة ، وهو ليس من الاجتماع المحال « 11 » . وفي مقابل ذلك ذهب جماعة من الأعلام « 12 » إلى عدم صحة الاستدلال بالتضاد على عدم اجتماع الأحكام ، كالمحقّق الأصفهاني « 13 » والإمام الخميني « 14 » ؛ لعدم انطباق تعريف المتضادين عليها ؛ لأنّ المتضادين عبارة عن الوجودين المتعاقبين على موضوع واحد بينهما غاية الاختلاف ، من دون توقف تعقل أحدهما على الآخر « 15 » . وهما بهذا المعنى لايصدقان على الأحكام التكليفية الخمسة . وقد بيَّن الإمام الخميني سبب عدم انطباق التعريف من وجهة نظره ، حيث قال : « إنّ التعريف المذكور لا ينطبق على الأحكام ، أمّا على القول المختار بأنّ الأحكام عبارة
--> ( 1 ) . البقرة : 286 . ( 2 ) . انظر : فوائد الأصول 1 - 2 : 388 . ( 3 ) . مناهج الوصول 2 : 136 . ( 4 ) . المبسوط ( السرخسي ) 12 : 116 ، القوانين المحكمة : 67 ، مفاتيحالأصول : 538 ، الفصول الغروية : 128 ، كفاية الأصول : 158 ، بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 3 : 79 . ( 5 ) . الرسائل الفقهية ( البهبهاني ) : 317 . ( 6 ) . القوانين المحكمة : 67 ، درر الفوائد ( الحائري ) 1 - 2 : 151 . ( 7 ) . راجع : شرح مختصر المنتهى 2 : 204 ، حيث قال : فلو اتحد الواحدبالشخص « بأن يكون الشيء الواحد من الجهة الواحدة واجباً حراماً فذلك مستحيل قطعاً » . وانظر : التحبير شرح التحرير 2 : 946 . ( 8 ) . التنقيح في شرح العروة الوثقى 5 : 79 . ( 9 ) . انظر : محاضرات في أصول الفقه 4 : 306 . ( 10 ) . كتاب الطهارة ( الأنصاري ) 2 : 152 . ( 11 ) . دروس في علم الأصول 1 : 343 . ( 12 ) . نسب ذلك إلى جمع من الأعلام في تحريرات في الأصول 6 : 228 . ( 13 ) . نهاية الدراية 2 : 308 . ( 14 ) . مناهج الوصول 2 : 136 - 137 . ( 15 ) . الفصول الغروية : 91 .