مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

109

موسوعه أصول الفقه المقارن

مثلًا عن البعث والزجر المنشئين بالآلات والأدوات فواضح جداً ؛ لأنّ البعث والزجر بالهيئة الدالة عليهما إنّما هو بالمواضعة والاعتبار ، وهما ليسا من الأمور الوجودية الحالّة في موضوعها الخارجي ، بل أمور اعتبارية عقلائية ، وهم يرون البعث بالهيئة مكان البعث التكويني ، لكن بحسب الوضع والاعتبار القائمين بنفس المعتبر قياماً صدورياً . وأمّا على القول بكونها عبارة عن الإرادات أو عن الإرادات المظهرة فكذلك أيضاً ؛ لأنّ الشرط كون الأمرين الوجوديين الداخلين تحت جنس قريب ، وعليه لابدّ أن يكونا نوعين مستقلين ، مع أنّ إرادة البعث والزجر داخلتان تحت نوع واحد ، ومعه كيف تصيران متضادتين . . . فإنّ الإرادات ليست أنواعاً مختلفة تحت جنس قريب ، أمّا الواجب والمستحب ، وكذا الحرام والمكروه فواضح ؛ لأنّ الإرادة الوجوبية والاستحبابية مشتركتان في حقيقة الإرادة ومتميزتان بالشدة والضعف ، فإذا أدرك المولى مصلحة ملزمة تتعلق بها الإرادة الشديدة وينتزع منها الوجوب ، أو أدرك مصلحة غير ملزمة تتعلق بها الإرادة لا بنحو الشدة ، بل بنحو يستظهر منها الترخيص في الترك وينتزع منها الاستحباب ، وقس عليهما الحرام والمكروه . . . » « 1 » . ولكن يبقى هنا سؤال حول سبب الامتناع إذا لم يكن هو التضاد ؟ حيث أجاب عليه الإمام الخميني بقوله : « إنّه بناءً على القول بكون الأحكام أموراً اعتبارية فسرُّ عدم اجتماع الوجوب والحرمة هو لغوية الجعلين غير الجامعين ، بل امتناع جعلهما لغرض الانبعاث ؛ لأنّ المكلّف لا يقدر على امتثالهما ، وكذا على القول بكونهما عبارة عن الإرادات ؛ لامتناع تعلق الإرادة بالبعث إلى العمل والزجر عن الفعل [ فهو من قبيل ] تعلق الإرادة بالطيران إلى الهواء ، فعدم الاجتماع أعمّ من التضاد » « 2 » . هذا بالنسبة إلى سبب الامتناع ، وأمّا المرحلة التي يمتنع فيها الاجتماع من مراحل الحكم التكليفي - التي هي المصلحة والاقتضاء والإنشاء ، والفعلية والتنجز - « 3 » فقد اختلف الأصوليون فيها ، فمنهم من ذهب إلى امتناع الاجتماع في جميعها « 4 » ، ومنهم من حصره ببعضها « 5 » ، ويتضح ذلك من خلال استعراضنا لهذه المراحل ، وذلك كما يلي : 1 - مرحلة المصلحة والاقتضاء : وهي المرحلة التي تبتني على أساسها الأحكام التكليفية . وقد نفى بعض حصول التضاد بينها في هذه المرحلة ؛ لإمكان أن يكون الشيء ذا مصلحة ومفسدة في آن واحد « 6 » . بينما أكّد بعض آخر على حصوله في هذه المرحلة ، إذ ليس المراد مجرد كون الشيء ذا مصلحة أو مفسدة ، بل المراد أن يكون أحدهما غالباً والآخر مغلوباً ، فلا يكون الفعل محرّماً مثلًا إلّاإذا كانت مفسدته غالبة على مصلحته ، ولا يكون واجباً إلّاإذا كانت مصلحته غالبة على مفسدته « 7 » . 2 - مرحلة الإنشاء والجعل : وهي مرحلة جعل

--> ( 1 ) . تهذيب الأصول 1 : 399 - 400 بتصرُّف . ( 2 ) . المصدر السابق : 400 بتصرُّف . ( 3 ) . هذه المراتب بناءً على ما ذكره المحقّق الخراساني في كفايةالأصول : 258 . خلافاً لما ذهب إليه بعض من أنّ مراتب الحكم منحصرة بمرتبتين : مرتبة الإنشاء ، ومرتبة الفعلية ؛ لأنّ الاقتضاء من مقدماته ، والتنجز من آثاره . راجع : أنوار الهداية 1 : 38 - 39 . ( 4 ) . كالسيد الروحاني في منتقى الأصول 3 : 83 - 85 . ( 5 ) . كالسيد الخوئي الذي حصرها بمرحلة الإرادة والتنجز . راجع : محاضرات في أصول الفقه 4 : 248 - 249 . ( 6 ) . انظر : كفاية الأصول : 158 ، منتهى الدراية 3 : 172 . ( 7 ) . منتقى الأصول 3 : 82 .