محمد الساعدي
35
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح
زاخراً بالمدارس والكلّيات والمعاهد من دار العلوم إلى كلّية التجارة إلى كلّية الطبّ إلى المدارس الثانوية الابتدائية إلى المعهد الفرنسي إلى آخره ، فهو بطبيعته حيّ مائجٌ بالأفكار وبأنماط الحياة المختلفة . تحدّد مساري العلمي بعد حيرة شديدة ؛ لأنّني بطبيعة هذه النشأة كانت اهتماماتي أدبية ، وتصوّرت أنّني سأتّجه إلى كلّيات الآداب ، وأردت أن أتّجه لكلّية الآداب قسم اللغة العربية بالذات ، ولكن أقنعتني أُمّي أنّ الآداب تبع رأيها في ذلك الوقت ، وكانت امرأة حكيمة رغم أنّها لم تكن واسعة الدرجات العلمية أو أيّ شيء ، قالت لي : إنّ الأدب تستطيع أن تحصّله على أيّ الأحوال ، ولكن المهنة هذا شيء آخر ، ونصحتني دائماً أن أتّجه اتّجاهاً علمياً ، ولكنّني رفضت ذلك ، وكنت أتصوّر دائماً أنّ الكاتب هو الذي سيغيّر الأُمّة ، ليس الطبيب وليس . . . ولا حتّى المحامي ، وكنت أعتقد أنّ القضية المصرية خاسرة ؛ لأنّها قضية يترافع فيها محامون ؛ لأنّ كلّ الوزراء والقادة في ذلك الوقت كانوا من خرّيجي كلّية الحقوق ، فقلت : إنّني سأتّجه للآداب على أيّة حال ، ولكن حدث حادث مهمّ ، قرأت كتاباً اسمه « آثرت الحرّية » ، كان الكتاب مكتوب بواسطة رجل روسي خرج على الشيوعية ، وكتب هذا الكتاب لينتقد النظام الشيوعي ، وكان كتاباً ضخماً ، عكفت على قراءته ، وأذكر أنّني قرأته في ثلاثة أيّام ، بصرف النظر عن الأفكار التي كانت فيه ، ولكنّه فتح ذهني لأهمّية التصنيع والهندسة ، بعقلية اليافع في هذا الوقت ، قلت : خلاص انتهى الموضوع ، إذن سأصير مهندساً ، وفاجأت والدتي بأنّني سأدخل شعبة رياضة كان في أيّامنا شعبة آداب ، علوم ، رياضة ؛ لأنّني أُريد أن أدخل كلّية الهندسة ، فطبعاً هذه كانت كارثة ؛ لأنّني لم أرسب في حياتي في مادّة إلّاالرسم ، ولم أكن ضعيفاً في مادّة إلّاالرياضيات ، فنصحتني أُمّي نصيحة جيّدة ، قالت لي : اذهب وعش أيّاماً مع ابن خالتك ، وكان في السنة النهائية في كلّية الهندسة ، وانظر ماذا يفعل ، وسترى بنفسك إن كان هذا ما يصلح لك ، طبعاً كان يحضّر ما يسمّونه المشروع ، ويرسم ، ويعرق ، ويغضب ، ويعيد لأنّه اختلف في مليمتر ، و . . فطبعاً تبيّنت أنّني يعني من الراسبين لا محالة ، فرجعت البيت وقلت : لا ، إنّني أُريد أن أتّجه