عادل عبد الرحمن البدري

92

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم أخرين ، ونعم الحكم الله . وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غد جدث « 1 » تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها ، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر « 2 » ، وسدّ فُرجها التراب المتراكم ، وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوي لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر ، وتثبت علي جوانب المزلق . لوشئتُ لاهتديت الطريق ، إلى مصفّي هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ . ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثي « 3 » وأكباد حرّي « 4 » ، أو أكون كما قال القائل : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة « 5 » العيش . فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها « 6 » ، تكترش « 7 » من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدىً ، أو أهمل عابثاً ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف « 8 » طريق المتاهة ! وكأنّي بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضعف عن قتال

--> ( 1 ) الجدث : القبر . اللسان ( جدث ) . ( 2 ) المدر : قطع الطين اليابس ، أو الطين المتماسك أو الطين العلك لا رمل فيه . اللسان ( مدر ) . ( 3 ) الغرث : الجوع ، وبطون غرثى جائعة فعلى من الغرث . اللسان ( غرث ) . ( 4 ) الحرّى : فعلى من الحرّ ، وهي تأنيث حرّان وهما للمبالغة ، يريد لشدّة حرّها قد عطشت ويبست . اللسان ( حرر ) . ( 5 ) الجشيب : البشع من كلّ شيء . والجشيب من الثياب : الغليظ . ورجل جشيب : سيّيء المأكل ، وقد جشب جشوبة . اللسان ( جشب ) . ( 6 ) تقمّم : تتبّع القمام في الكناسات . وقمّت الشاة تقم قمّاً ، إذا ارتّمت من الأرض . واقتمّت الشيء ، طلبته لتأكله ، واقتمّ الرجل ما على الخوان ، إذا أكله . اللسان ( قمم ) . ( 7 ) يقال : استكرش الجدي ، حين يعظم بطنه ويشتدّ أكله . اللسان ( كرش ) . ( 8 ) العسف : السير بلا هدى وعلى غير طريق ، وكذلك التعسّف والاعتساف . اللسان ( عسف ) .