عادل عبد الرحمن البدري
93
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
الأقران ، ومنازلة الشجعان . ألا وإنّ الشجرة البرّية أصلبُ عوداً ، والرواتع الخضرة أرّق جلوداً ، والنابتات العذية « 1 » أقوى وقوداً ، وأبطأ خموداً ، وأنا من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد . والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها ، وسأجهد في أن أطهّر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس « 2 » حتّى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد « 3 » . هكذا كانت الرسالة منهج عمل ودستور دولة وبرنامج تصحيح سلوك لكلّ من يتصدّى مسؤولية الأمّة . وفيها إشارة إلى حقّ حاكم لم يتح له التمتّع بحقوقه السياسية والشخصية ، وهي أرض فدك ، حيث منع منها وأفراد أسرته ولم يأبه ( ع ) لهذا الاستلاب ، بل أشار له عرضاً وهذا منتهى السخاء والتضحية في تجربة سياسية تحققت له ولم ينتزع حقّاً له كان في متناول يده . وعند تأمّل سطور هذه الرسالة تلحظ نفس الحاكم المهموم الذي يهمه وضع المواطنين ومعيشتهم ، فتراه ( ع ) يصف حياته ومعيشته وما عليه من ضنك ومشقّة ، مواساة لعموم الناس الذين يعيشون في زوايا البلاد البعيدة فقراء منسيين لم يتعهّدهم أحد بسؤال أو بعطية ، وما يملك خليفة عادل وضعته السماء على رأس المسؤولية إلّا أن يقول : أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش . حقّاً هي المشاركة الوجدانية العاطفية التي كان يحسّها علي ( ع ) في طوايا نفسه ، لم تجد لها مثيلًا في التجارب السياسية التي شهدها الإنسان ، فليس بمألوف أن يتجرّد الحاكم من إحساس الحكم والملك والجبروت ويتدانى من رجل فقير ضائع
--> ( 1 ) عذى الكلأ والنبات : ما بعد عن الريف وأنبتته ماء السماء ، قال أبو زيد : عذوت الأرض وعذيت أحسن العذاة ، وهي الأرض الطيّبة التربة البعيدة من المياه والسباخ . اللسان ( عذا ) . ( 2 ) المركوس المدبر عن حاله والارتكاس : الارتداد . اللسان ( ركس ) والمراد هنا معاوية ويحتمل أن يكون تشبيهاً له بالبهائم . بحار الأنوار 480 : 33 . ( 3 ) نهج البلاغة ص 416 كتاب رقم 45 . وأراد من إخراج المدرة ، وهي قطعة الطين من بين حبوبات الزرع المحصود هو طرح المنافقين وإبعادهم من صف المؤمنين .