عادل عبد الرحمن البدري

87

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

العدالة النبوية لا يمكن وضع صورة متكاملة ودقيقة لعدل نبيّنا ( ص ) ، حتى إنّ بدنه ( ص ) كان منهكاً وذائباً في سبيل تحقيق عدالة أرادها لأمّته ، فلم يكن يسمح لنفسه بأن يشبع وتجوع أمّته ، أو أن يملأ عينيه من النوم وفي أمّته من تسهّد وأرق في هموم ومعاناة يومية ، وقد تعب بدنه ( ص ) من صرامته مع نفسه وقسوته وشدّته في ترويضها وتذليلها فأنزل الله تعالى : طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 1 » . فالمروي عن الصادقين ( عليهماالسلام ) أن رسول الله ( ص ) كان إذا صلّى قام على أربع أصابع رجليه حتّى تورّمت فأنزل الله تبارك وتعالى ( طه ) وهي بلغة طي : يا محمد « 2 » فعاتبه ربّه على هذا ، وسرى منهاج العدالة في سيرته ( ص ) مع نفسه ومع أمّته ، حيث بلغ من عدل النبيّ ( ص ) ومراعاته للحقوق درجة الامتناع عن أداء الصلاة على ميّت من أصحابه كما روى الصدوق ( رحمه الله ) عن معاوية بن وهب - وهو من أصحاب الصادق ( ع ) - أنّه قال قلت لأبي عبد الله الصادق ( ع ) : بلغنا أنّ رجلا من الأنصار مات وعليه دين ، فلم يصلّ عليه النبيّ ( ص ) وقال : لا تصلّوا على صاحبكم حتّى يقضى عنه الدّين ؟ فقال الصادق ( ع ) : ذلك حقّ ، ثمّ قال ( ع ) : إنّما فعل رسول الله ( ص ) ذلك ليتعاطوا الحقّ ويؤدّي بعضهم إلى بعض ، ولئلّا يستخفّوا بالدين « 3 » . وروي أنّ النبيّ ( ص ) قال : شيبتني سورة هود . يشير إلى قوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ « 4 » . وفي هذا المضمون يقول سفيان بن عبد الله الثقفي : قلت للنبي ( ص ) يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا ، لا أسأل عنه أحداً بعدك ؟ قال : قل آمنت بالله ثمّ استقم « 5 » . وهذا يؤكّد سعي النبيّ ( ص ) واهتمامه المتزايد في أن يعمّ ويترسّخ العدل والإنصاف في مجمل حياة الإنسان حتى في أدقّ تفصيلات الحياة ، ومن ذلك ما روي من ممارسة

--> ( 1 ) طه : 1 و 2 . ( 2 ) تفسير القمي 32 : 2 . ( 3 ) علل الشرائع : 590 ح 37 . ( 4 ) هود : 112 . ( 5 ) تفسير القرطبي 1 : 9 و 2 و 107 .