عادل عبد الرحمن البدري

88

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

تطبيقية لحالة قصاص جندي من قائده ، حيث كان ( ص ) مهتمّاً بأن تطبّق العدالة تطبيقاً كاملًا ولا تتجرّد من مضامينها ، كما روي عن سوادة بن قيس أنّه قال للنبيّ ( ص ) في أيّام مرضه : يا رسول الله ، إنّك لمّا أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء ، وبيدك القضيب الممشوق فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فأمره النبيّ ( ص ) أن يقتصّ منه ، فقال : اكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف عن بطنه ، فقال سوادة : أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ، فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار ، فقال ( ص ) : يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص ؟ فقال : بل أعفو يا رسول الله ، فقال ( ص ) : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك محمد « 1 » . وفي هذه المحكمة السريعة التي عقدها النبيّ ( ص ) ، بصفته قاضياً ومتهماً ، تتضح لنا العناية الفائقة في أن يأخذ العدل موقعه بلا فاصلة أو مسافة بين الحاكم والمحكوم ، لا فرق بين العبد والسيّد ، الملوك والعوام ، الأغنياء والفقراء ، الجندي والقائد ، ولهذا يفهم استياء النبيّ ( ص ) وامتعاضه من قول حرقوص بن أبي الخويصرة التميمي - حين كان ( ص ) يقسم غنائم هوازن - عندما قال للنبيّ ( ص ) : لم أرك عدلت ! فغضب رسول الله ( ص ) وقال : ويلك ، إذا لم يكن العدل عندي ، فعند من يكون ! « 2 » ولم تكن عواطفه ( ص ) مع أسرته تمنعه من أن يقيم الحدود والقصاص العادل لو حصلت لهم ومنهم جناية ، فمقدرون عائشة في ذلك عن امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي ( ص ) بقطع يدها ، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلّموه ، فكلّم أسامة النبي ( ص ) فيها ، فقال النبي ( ص ) : يا أسامة ، لا تزال تكلّم في حدّ من حدود الله ! ثمّ قام ( ص ) خطيباً ، فقال : إنّما هلك من كان قبلكم بأنّه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، والذي نفسي بيده ، لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها « 3 » وكان

--> ( 1 ) بحار الأنوار 508 : 22 . ( 2 ) إرشاد الشيخ المفيد ص 78 ، بحار الأنوار 161 : 21 . ونحو الخبر في سنن ابن ماجة 61 : 1 المقدمة . ( 3 ) ( ) مصنّف عبد الرزاق 201 : 10 رقم 18830 .