عادل عبد الرحمن البدري

86

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

جار السلطان هانت الدولة « 1 » فعند ذاك لم يعد للحكومة والدولة مصداقية في وجودها . ومن الوصايا السياسية المهمة التي تناولت العدل كركن مهم في إدارة الشؤون العامة للبلد ما روي من وصيّة علي ( ع ) لعمر بن الخطاب إذ قال له علي ( ع ) : ثلاث إن حفظتهن وعملت بهنَّ كفتك ما سواهن وإن تركتهن لم ينفعك شيء سواهن ، قال : وما هن يا أبا الحسن ؟ قال ( ع ) : إقامة الحدود على القريب والبعيد ، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط ، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود ، فقال عمر : لعمري لقد أوجزت وأبلغت « 2 » . فهذه الأسس التي بيّنها علي ( ع ) تُعدّ في كافّة الأزمنة دعامة السلطة السياسية ، وبها يتقوّم كيان الدولة . فالعدل وسيادة القانون ضمانة قوية ووثيقة أمان للحاكم والمحكوم في استمرار الحياة السياسية وتكاملها ، ومن هذا يقول الباقر ( ع ) : ما أوسع العدل ، إنّ الناس يتّسعون إذا عدل فيهم وتنزل السماء رزقها وتخرج الأرض بركتها بإذن الله « 3 » . ولا تطالب المحكمة السماوية من السلطان إلّا العدل ، فلم نجد في مشهد القيامة الذي رآه النبيّ ( ص ) من يسأل السلطان عن عباداته وصلاته وصومه وركعاته التي تحفظ له في ملفاته الشخصية ، والتي تسجل سلوكه وتعرض أمام الله يوم القيامة ، كما ذكر النبي ( ص ) ذلك المشهد ورآه وأخبرنا به فقال : تكلّم النار يوم القيامة ثلاثاً : أميراً وقارئاً وذا ثروة من المال ، فتقول للأمير : يا من وهب الله له سلطاناً فلم يعدل ، فتزدرده كما يزدرد الطير حبّ السمسم ، وتقول للقارئ : يا من تزيّن للناس وبارز الله بالمعاصي فتزدرده ، وتقول للغني : يا من وهب الله له دنيا كثيرة واسعة فيضاً وسأله الحقير اليسير قرضاً فأبى إلّا بخلًا ، فتزدرده « 4 » فالمساءلة هنا اجتماعية سياسية ، تضع طبقات من الناس في ميزان القسط والحساب ليعرف نظراؤهم عظم المسؤولية التي وضعت في أعناقهم في الحياة الدنيا .

--> ( 1 ) بحار الأنوار 341 : 75 . ( 2 ) بحار الأنوار 349 : 75 ح 53 . ( 3 ) تهذيب الأحكام 118 : 4 ح 340 . ( 4 ) الخصال للصدوق : 111 ح 84 .