عادل عبد الرحمن البدري
65
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
الشعور ، غبر الألوان من فقرهم ، كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم « 1 » وعاودني مؤكّداً ، وكرّر عليّ القول مردّداً فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أنّي أبيعه ديني ، وأتّبع قياده مفارقاً طريقتي فأحميت له حديدة ، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجّ ضجيج ذي دنف « 2 » من ألمها وكاد أن يحترق من ميسمها « 3 » ، فقلت له : ثكلتك الثّواكل ، يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرّني إلى نار سجرها « 4 » جبّارها لغضبه ! أتئنّ من الأذى ولا أئن من لظى « 5 » ! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها « 6 » ومعجونة شنئتها « 7 » ، كأنّما عجنت بريق حيّة أو قيئها . فقلت : أصلة أم زكاة ، أم صدقة ؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت ، فقال : لا ذا ولا ذاك ، ولكنّها هدية . فقلت : هبلتك الهبول « 8 » ! أعن دين الله أتيتني لتخد عني ؟ أمختبط أنت أم ذو جِنّة ، أم تهجر ؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها ، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب « 9 » شعيرة ما فعلته ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها « 10 » ، ما لعليّ ولنعيم يفنى ، ولذّةٍ لا تبقى ! نعوذ بالله من سبات « 11 » العقل ، وقبح الزلل وبه نستعين « 12 » . هكذا كان علي ( ع ) بهذه الصرامة والشدّة والقسوة مع الذات ، وكأنّه يخوض معركة
--> ( 1 ) العظلم : عصارة شجر لونه كالنيل أخضر يميل إلى الكدرة . وقيل : هو الوسمة . اللسان ( عظلم ) . ( 2 ) الدّنف : المرض أو الحزن . ترتيب الجمهرة 652 : 1 . ( 3 ) الميسم : المكواة أو الشيء الذي يوسم به الدوابّ . اللسان ( وسم ) . ( 4 ) يقال : سجر التنّور يسجره سجراً : أوقده وأحماه . وأشبع وقوده . اللسان ( سجر ) . ( 5 ) لظى : اسم جهنّم وهي معرفة لاتنوّن ولاتنصرف ، سمّيت بذلك لأنّها أشدّ النيران . واللظى : النار . اللسان ( لظى ) . ( 6 ) الملفوفة هنا كناية عن هدية أو شيء أعطى بوعاء . ( 7 ) شنأتها : أي كرهتها . اللسان ( شنأ ) . ( 8 ) الهبل : الثكل . والهبول من النساء : الثكول التي لا يبقى لها ولد . وهبلتك الهبول : أي ثكلتك الثكول . وهو دعاء . ينظر اللسان ( هبل ) . ( 9 ) الجلب : الغطاء والجلد والقشر ، وأصل الجلبة : جلدة تجعل على القتب . ينظر اللسان ( جلب ) . ( 10 ) القضم : الكسر بأطراف الأسنان . اللسان ( قضم ) . ( 11 ) السبات : النوم . وهنا جاء كناية عن الجهل والغفلة . ( 12 ) نهج البلاغة ص 346 من كلام له ( عليه السلام ) رقم 224 .