عادل عبد الرحمن البدري
66
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
ضارية شحذ كلّ قواه فيها لكي يهزم ويدفع عدوّاً داهمه في عقر داره ، لكن العدوّ هنا غرائز وشهوات مباحة كان لها أن تطفأ وتجاب بلا صوت ولا ضجيج ولانزاع ، ولكنّها الروح العلوية لم تكن تطيق هذا الجسد الفاني الذي رافق هذه الروح السامية ، فتنازعت معه وأزعجته وأقلقته ، حتّى القربى من هذا الجسد لم تكن تسلم من هذا النزاع والمخاصمة والمطاولة والمساءلة ، فلم يسلم جسد عقيل وأولاده من هذه المعركة الضروس ، وكأنّ شظايا هذه الحرب التي لا تهدأ قد لوّنت سحنات صغار بني هاشم بلون أصفر فاقع خالطه سواد شاحب كريه ، يصرخ بوجه الزمن الذي قرنهم مع عمّ صارم حازم واضع حسامه في رقاب الشهوات المباحة . وتتجلّى ملامح القائد المسؤول الذي يسهر ليله ويجول يومه ليتفقّد أحوال شعبه ، وكما في رواية المرأة التي رأى علي ( ع ) على كتفها قربة ماء فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها وسألها عن حالها ، فقالت : بعث عليّ بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل ، وترك عليّ صبيانا يتامى ، وليس عندي شيء ، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس ، فانصرف عليّ ( ع ) وبات ليلته قلقاً ، فلمّا أصبح حمل زنبيلًا فيه طعام ، فقال بعضهم : أعطني أحمله عنك ، فقال : من يحمل وزري عنّي يوم القيامة ؟ فأتى وقرع الباب فقالت : من هذا ؟ قال : أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة ، فافتحي فإنّ معي شيئاً للصبيان فقالت : رضي الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب ، فدخل وقال : وإنّي أحببت اكتساب الثواب ، فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين ، وبين أن تعلّلين الصبيان لأخبز أنا ، فقالت : أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر ، ولكن شأنك والصبيان فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز ، قال الراوي : فعمدت إلى الدقيق فعجنته ، وعمد علي ( ع ) إلى اللحم فطبخه وجعل يلقّم الصبيان من اللحم والتمر وغيره ، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له : يا بني اجعل عليّ بن أبي طالب في حلّ ممّا أمر في أمرك ، فلمّا اختمر العجين قالت : يا عبد الله اسجر التنّور فبادر لسجره ، فلمّا أشعله ولفح في وجهه جعل يقول : ذق