عادل عبد الرحمن البدري

64

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

فالحصول على حدّ أدنى من العدل هو مطلب الأمم والشعوب على مرّ الأعصر والدهور ؛ لأنّ الحكّام والملوك كانوا يسعون إلى فتح خزائن الأموال في الهبات والعطايا التي تشبع غرائزهم دون التفكير بالحقوق التي بذمّتهم . فما قيمة الكرم والجود لسلطان يصادر أموال الآخرين ويستولى عليها ويستهلكها بعطايا لهذا وذاك يشبع نزوته وغروره بهتافات وأغنيات باردة تحرّكها دراهم المظلومين . وهذا يفهم من وراء حديث علي ( ع ) . فهناك صور غير مرئية أو أقوال غير مرئية ، لكن قد يقولها التاريخ لنا على لسان هؤلاء العظماء الأولياء ، وقد وقفنا على بعضها كما في رسالته ( ع ) للأشتر النخعي ، ويكفيك قوله ( ع ) : « فاملك هواك وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك » . أي لابدّ للحاكم من أن يضبط نفسه ويكبح شهواته ونزواته ، ولا يستسلم لغرائزه فيمتطيها ويركبها متى شاء وبأيّ واد يسلك ولأيّ جهة يسير . ويقدّم لنا التاريخ عليّاً ( ع ) حين يحاور نفسه أمام رعيّته ويضعها في ميزان عدل لا يستطيع أن يفلتها من الحساب العسير الذي وضعها فيه فيقول وهو صادق فيما يقول : والله لأن أبيت على حسك السعدان « 1 » مسهّداً « 2 » ، أو أجرّ في الأغلال مصفّداً « 3 » أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام ، وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في الثري « 4 » حلولها . والله لقد رأيت عقيلًا وقد أملق « 5 » حتّى استماحني « 6 » من برّكم « 7 » صاعاً ورأيت صبيانه شعت

--> ( 1 ) السعدان : نبت ، لهذا النبت شوك إذا وطئه الماشي عقر رجله شوكه ، يقال له : حسكة السعدان . لسان العرب ( سعد ) . ( 2 ) السهد والسهاد : نقيض الرقاد ، والسهد : القليل من النوم . لسان العرب ( سهد ) . ( 3 ) الصفد : القيد ، ومصفّداً : مقيداً . لسان العرب ( صفد ) . ( 4 ) الثرى : التراب الندي . لسان العرب ( ثرى ) . ( 5 ) الإملاق : الفقر . اللسان ( ملق ) . ( 6 ) استماحني : أي سأل العطاء . اللسان ( ميح ) . ( 7 ) البرّ : الحنطة . وهو أفصح من قولهم القمح والحنطة . ترتيب الجمهرة 119 : 1 .