عادل عبد الرحمن البدري

57

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

وأمّا بعد ، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك ، فإنّ احتجاب الولاة عن الرعيّة شعبة من الضيق ، وقلّة علم بالأمور ، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويشاب الحقّ بالباطل . وإنّما الوالي بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس به من الأمور وليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب ، وإنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ ، ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه ، أو فعل كريم تسديه ! أو مبتلى بالمنع ، فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك ! مع أنّ أكثر حاجات الناس إليك ممّا لا مؤونة فيه عليك ، من شكاة مظلمة ، أو طلب إنصاف في معاملة . ثمّ إنّ للوالي خاصّة وبطانةً ، فيهم استئثار وتطاول ، وقلّة إنصاف في معاملة ، فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال . ولا تقطعنّ لأحد من حاشيتك وحامّتك « 1 » قطيعة ، ولا يطمعنّ منك في اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم ، فيكون مهنّا ذلك لهم دونك ، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة . والزم الحقّ من لزمه من القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع ، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإنّ مغبّة ذلك محمودة . وإنْ ظنّت الرعيّة بك حيفاً « 2 » فأصحر « 3 » لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فإنّ في ذلك رياضةً منك لنفسك ، ورفقاً برعيّتك ، وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ . ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك ولله فيه رضى ، فإنّ في الصلح دعةً لجنودك وراحةً من همومك وأمناً لبلادك ، ولكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه ، فإنّ العدوّ ربمّا قارب ليتغفّل فخذ بالحزم ، واتّهم في ذلك حسن الظنّ . وإن عقدت بينك وبين عدوّك عقدة ، أو ألبسته منك ذمّة فحط عهدك بالوفاء ، وارع ذمّتك بالأمانة . واجعل

--> ( 1 ) الحامّة : خاصّة الرجل . اللسان ( حمم ) . ( 2 ) الحيف : الظلم والجور . اللسان ( حيف ) . ( 3 ) أصحر الرجل ، إذا برز كأنّه أفضى إلى الصحراء التي لا خمر بها فانكشف . اللسان ( صحر ) .