عادل عبد الرحمن البدري
58
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
نفسك جنّة دون ما أعطيت ، فإنّه ليس من فرائض الله شيء الناس أشدّ عليه اجتماعاً مع تفرّق أهوائهم ، وتشتّت آرائهم ، من تعظيم الوفاء بالعهود ، وقد لزم ذلك المشركون فيها بينهم دون المسلمين لما استوبلوا « 1 » من عواقب الغدر ، فلا تغدرنَّ بذمّتك ، ولا تخيسنّ « 2 » بعهدك ، ولا تختلنّ « 3 » عدوّك ، فإنّه لا يجترئ على الله إلّا جاهل شقيّ . وقد جعل الله عهده وذمّته أمناً أفضاه بين العباد برحمته ، وحريماً يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون إلى جواره ، فلا إدغال ولا مدالسة ، ولا خداع فيه ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل ولا تعوّلن على لحن قول إلّا بعد التأكيد والتوثقة . ولا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحقّ ، فإنّ صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته ، خير من غدر تخاف تبعته ، وأن تحيط بك من الله فيه طلبة ، لا تستقبل فيه دنياك ولا آخرتك . إيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها ، فإنّه ليس شيء أدنى لنقمة ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة ، وانقطاع مدّة ، من سفك الدماء بغير حقّها . والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد ، فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة ، فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك ممّا يضعفه ويوهنه ، بل يزيله وينقله ، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد ، لأنّ فيه قود البدن ، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة ، فإنّ في الوكزة « 4 » فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم . وإيّاك والإعجاب بنفسك ، والثقة بما يعجبك منها ، وحبّ الإطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين . وإيّاك والمنّ على رعيّتك بإحسانك ، أو التزيّد فيما كان من فعلك ، أو أن تعدهم
--> ( 1 ) أصل الوبال الثقل والمكروه . ينظر اللسان ( وبل ) . ( 2 ) يقال : خاس بالعهد ، إذا نكث وغدر . جمهرة اللغة 600 : 1 باب الخاء والسين . ( 3 ) الختل : الغدر والخداع . اللسان ( ختل ) . ( 4 ) الوكز : الطعن بجمع الكفّ . اللسان ( وكز ) .