عادل عبد الرحمن البدري
56
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
ثقتك من أهل الخشية والتواضع ، فليرفع إليك أمورهم ثمّ اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه ، فإنّ هؤلاء من بين الرعيّة أحوج إلى الإنصاف من غيرهم ، وكلّ فاعذر إلى الله في تأدية حقّه إليه . وتعهّد أهل اليتم وذوي الرقّة « 1 » في السنّ ممّن لا حيلة له ، ولا ينصب للمسألة نفسه ، وذلك على الولاة ثقيل ، والحقّ كلّه ثقيل ، وقد يخففّه الله على أقوامٍ طلبوا العاقبة فصبّروا أنفسهم ، ووثقوا بصدق موعود الله لهم . واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرّغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عامّاً فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشُرطك حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع « 2 » فإنّي سمعت رسول الله ( ص ) يقول في غير موطن « لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع » ثمّ احتمل الخرق منهم والعِيّ . ونحّ عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته . وأعط ما أعطيت هنيئاً ، وامنع في إجمال وإعذار . ثمّ أمور من أمورك لابدّ لك من مباشرتها ، منها إجابة عمّا لك بما يعيا عنه كتّابك ، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ، وأمض لك يوم عمله ، فإنّ لكلّ يوم ما فيه . واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت ، وأجزل تلك الأقسام ، وإن كانت كلّها لله إذا صلحت فيها النيّة ، وسلمت منها الرعيّة . وليكن في خاصّة ما تخلص به لله دينك : إقامة فرائضه التي هي له خاصّة ، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ، ووفّ ما تقرّبت به إلى الله من ذلك كاملًا غير مثلوم ولا منقوص ، بالغاً من بدنك ما بلغ ، وإذا قمت في صلاتك للناس ، فلا تكونن منفّراً ولا مضيّعاً . فإنّ في الناس من به العلّة وله الحاجة . وقد سألت رسول الله ( ص ) حين وجّهني إلى اليمن كيف أصلّي بهم ؟ فقال : « صلّ بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً » .
--> ( 1 ) ذوو الرقة في السنّ : الذين بلغوا في الشيخوخة إلى أن رقَّ جلدهم وضعف حالهم عن النهوض فلا حيلة لهم . ينظر اللسان ( رقق ) . ( 2 ) التعتعة في الكلام : أن يعيا بكلامه ويتردّد من حصر أو عيّ . اللسان ( تعع ) .