عادل عبد الرحمن البدري
55
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
أمره . واجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأساً منهم ، لا يقهره كبيرها ولايتشتّت عليه كثيرها ، ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته . ثمّ استوص بالتجّار وذوي الصناعات وأوصِ بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله « 1 » ، والمترفّق ببدنه « 2 » فإنّهم موادّ المنافع ، وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح « 3 » ، في برّك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترؤون عليها فإنّهم سلم لا تخاف بائقته « 4 » ، وصلح لا تخشى غائلته . وتفقّد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم - مع ذلك - أنّ في كثير منهم ضِيقاً فاحشاً وشحّاً قبيحاً ، واحتكاراً للمنافع ، وتحكّماً في البياعات وذلك باب مضرّة للعامّة ، وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار ، فإنّ رسولالله ( ص ) منع منه . وليكن البيع بيعاً سمحاً ، بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع . فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه فنكّل به وعاقبه في غير إسراف . ثمّ الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم ، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزّمنى « 5 » . فإنّ في هذه الطبقة قانعاً ومعترّاً « 6 » ، واحفظ لله ما استحفظك من حقّه فيهم ، واجعل لهم قسماً من بيت مالك ، وقسماً من غلّات صوافي الإسلام في كلّ بلد ، فإنّ للأقصى منهم مثل الذي للأدنى ، وكلّ قد استرعيت حقّه فلا يشغلنّك عنهم بطر ، فإنّك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهمّ . فلا تُشخص همّك عنهم ، ولاتصعّر « 7 » خدّك لهم ، وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون ، وتحقره الرجال ، ففرّغ لأولئك
--> ( 1 ) المضطرب بماله : الذي يتحرّك بماله ويتاجر به . ( 2 ) المترفّق ببدنه : العامل والكاد بطاقته الجسدية بالمهن والحرف التي تتطلب لياقة بدنية وقوّة . ( 3 ) الطروح من البلاد : البعيد اللسان ( طرح ) . ( 4 ) البائقة : الداهية . اللسان ( بوق ) . ( 5 ) الزمنى : جمع الزمن : وهو عدم بعض أعضائه أو تعطيل قواه . جمهرة اللغة 828 : 2 باب الزاي والميم . ( 6 ) القانع : الذي يقنع بما تعطيه ويسأل . والمعترّ : الذي يتعرّض ولا يسأل . معاني الأخبار للصدوق ص 209 . ( 7 ) الصعر : داء يصيب الإبل فتلتوي منه أعناقها ، وبه سمّي المتكبر أصعر ، ومن هذا جاء قوله تعالى : ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) لقمان : 18 . ينظر اللسان ( صعر ) .