عادل عبد الرحمن البدري

30

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

قدرياً اضطرّه إلى ذلك . وصدق إذ لم يكن خروجه من المدينة التي هي دار الهجرة ومفارقة منزل رسول الله ( ص ) وقبره إلى الكوفة إلّا لقتال أهل البصرة ، وحاجته إلى الاستنصار بأهل الكوفة عليهم ، إذ لم يكن جيش الحجاز وافياً بمقاتلتهم ، ثمّ اتصلت تلك الفتنة بفتنة أهل الشام فدامت حاجته إلى المقام بينهم . والمقصود الثاني : توبيخهم على ما بلغه من تكذيبهم له . . « 1 » . فهنا حديث عن علوم سياسية واجتماعية كان علي ( ع ) يعرفها قد درسها في مدرسة الوحي والرسالة ، وضع لنا طرفاً من هذه العلوم بشكل خطب وحكم قالها هنا وهناك ، والحقّ أنهّا كانت مشحونة بخلاصة من العلوم والبحوث الاجتماعية ، وقد تجلّى عليّ ( ع ) في هذه الخطب والرسائل طبيباً وباحثاً وعالماً صاحب نظرية ومذهب اجتماعي وسياسي عظيم ، يرجع إلى صاحب الرسالة محمد المصطفى ( ص ) فيضع دواءً للأمّة ، كما كان المصطفى ( ص ) يصف العلاج الكامل لأمّته وكما قال ( ع ) في وصفه « طبيب دوّار بطبّه ، قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه ، يضع ذلك حيث الحاجة إليه » « 2 » . وهكذا كان علي ( ع ) في مذهبه السياسي والاجتماعي يشخّص الداء ويصف الدواء . فعلي ( ع ) يعلم أنّ هناك قوانين يقرأ من خلالها مقدّمات الحدث فيصل إلى نتائجه وما يمكن أن يتحكّم بالحدث ويغيّر مساره ، فحينما وجّه معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن حقّق نصراً عسكرياً على عمّال علي ( ع ) الذين كانوا هناك فتلقّى ( ع ) هذا النبأ تلقّي العارف العالم بقوانين النصر والهزيمة ، فقال ( ع ) : أُنبئت بُسراً قد اطّلع اليمن ، وإنّي - والله - لأظن أنَّ هؤلاء القوم سيُدالون منكم باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم ، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب « 3 » لخشيت أن يذهب بعلاقته « 4 » . فهنا علي ( ع ) قد انتهى من دراسة مقارنة بين مجتمعين

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 193 : 2 . ( 2 ) نهج البلاغة ص 156 ضمن خطبة 108 . ( 3 ) القعب : القدح الضخم ، وقيل قدح من خشب مقعّر . اللسان ( قعب ) . ( 4 ) نهج البلاغة ص 67 خطبة 25 .