عادل عبد الرحمن البدري

31

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

متقابلين متضادّين ، بين مجتمع منتصر متين يثق بقائده ويتبادل مع قائده ثقته به ، وبين مجتمع منهزم ضعيف لا يستطيع القائد أن يطمئن إلى أفراد هذا المجتمع ، حيث يواجه جماعة ينتهزون الفرصة كي يثبوا على حطام تافه لا يساوي شيئاً فيسرقوه ، وكأنهم عصابات وقطّاع طرق تجمّعوا من هنا وهناك ليتجمهروا في مجتمع سياسي يقف على رأسه إمام عالم كامل يحمل هموماً وطموحات كبيرة في إصلاح الناس وقيادتهم لتحقيق مبادئ عظيمة ، وإذا به يفاجأ بحفنة سرّاق ولصوص تسعى لخطف قدح الماء واللبن الذي يتقوّت به الجيش الذي يعدّه ( ع ) لملاقاة عدوّه ، وكأنّه ( ع ) كان يخشى ذلك قبل حصوله . لقد واجه علي ( ع ) أمّة ضعيفة مفككة تثبط الهمم وتضعف المعنويات فتحدّث عنها قائلا حين خاطبهم : أيّها الناس ، المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصُمّ الصلاب « 1 » ، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء ! تقولون في المجالس : كيت كيت فإذا جاء القتال قلتم : حيدي حَياد « 2 » ! ما عزّت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل بأضاليل « 3 » ، وسألتموني التطويل « 4 » ، دفاع ذي الدين المطول « 5 » ، لا يمنع الضيم الذليل ! ولا يدرك الحقّ إلّا بالجدّ ! أيّ دار بعد داركم تمنعون ، ومع أي إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور - والله - من غررتموه ، ومن فاز بكم فقد فاز - ولله - بالسهم الأخيب « 6 » ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل « 7 » . أصبحت - والله - لا أصدّق قولكم ولا أطمع في نصركم ، ولا أوعد العدوّ بكم ، ما

--> ( 1 ) الصمّ الصلاب : الحجارة الشديدة ، يقال : حجر أصمّ : صلب مصمت . ينظر اللسان ( صمم ) . ( 2 ) حيدي حَياد : كلمة يقولها الهارب الفارّ ، وهو مثل قولهم للغارة في الجاهلية فيحى فياح ، وذلك إذا دفعت الخيل المغيرة فاتسعت . وفيحى : أي اتسعى عليهم وتفرّقى . لسان العرب ( فيح ) و ( حيد ) . ( 3 ) أي يتشاغلون بالأباطيل والضلال ، من قولهم : تعلّل به تلهّى وتجّزأ . ينظر اللسان ( علل ) . ( 4 ) المراد بالتطويل هنا منحهم الفرص وتأخير نهوضهم للحرب وملاقاة عدوهم . ( 5 ) المطل : التسويف والمدافعة بالعدة والدين . اللسان ( مطل ) . ( 6 ) السهم الأخيب ، أي السهم الخائب الذي لا نصيب له من قداح الميسر ، وهي ثلاثة ، المنيح والسفيح والوغد . والسهم : القدح الذي يقارع به ، وساهم القوم فسهمهم سهماً : قارعهم فقرعهم . اللسان ( خيب ) و ( سهم ) . ( 7 ) أفوق ناصل : هو مثل للعرب يضرب للطالب لا يجد ما طلب فيقال : رجع بأفوق ناصل ، أي بسهم منكسر الفوق لا نصل له ، أي رجع بحظّ ليس بتمام . لسان العرب ( فوق ) .