عادل عبد الرحمن البدري
29
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
وعاء « 1 » ولتعلمن نبأه بعد حين « 2 » . حيث نقل ( ع ) صورة المجتمع القصير النفس ، الذي يعيا في الخطوات الأخيرة ، فيصادر أتعابه بنفسه ويلقي الملامة على القائد الجادّ الذي يقود المسيرة ، وكأنّه سبب هذه الانتكاسة والخسارة في اللحظات الأخيرة ، فيطلقون الاتهامات الرخيصة لقائد مسيرتهم ومسددهم فيصفونه بالكذب والدجل ، فلم تكن هذه الجماعة مدركة حتى أنّها لم تكن تعي ما تقول ، وأنّى لها الفهم والعقل وهي تتعثر في مسيرتها ، وقد تأسّف علي ( ع ) على هذا المخزون الذي لديه ، فلم يكن هنالك من يعيه ويستقبله ، وكأنّه كان على موعد مع حفنة من الجهلة الكسالى فدعا على نفسه بالويل ، وهذا منتهي الحزن والأسف ! وقد التقط العلّامة ابن ميثم البحراني الإشارات السياسية والاجتماعية لهذه الخطبة فقال : هذا الكلام صدر عنه بعد حرب صفّين ، وفيه مقصودان ، الأول : توبيخهم على تركهم للقتال بعد أن شارفوا النصر على أهل الشام وتخاذلهم إلى التحكيم ، وأبرز هذا المقصود في تشبيههم بالمرأة الحامل ، وذكر لها أوصافاً خمسة وهي وجوه الشبه بينها وبينهم ، فالحمل يشبه استعدادهم وتعبئتهم للحرب ، والإتمام يشبه مشارفتهم للظفر ، والإملاص يشبه رجوعهم عن عدوّهم بعد طمعهم في الظفر به . وذلك رجوع غير طبيعي ولا معتاد للعقلاء ، كما أنّ الإملاص أمر غير طبيعي للحامل ولا معتاد لها ، ثمّ موت القيّم بأمورها ، وهو زوجها ، وطول غربتها ، وذلك يشبه عدم طاعتهم له ، الجاري مجرى موته عنهم وطول ضعفهم لذلك ودوام عجزهم وذلّتهم بعد رجوعهم لتفرّقهم إلى خوارج وغيرهم ، فإنّ موت قيّم المرأة مستلزم لضعفها ودوام عجزها وذلّتها ، ثمّ كونها قد استحقّ ميراثها البعيد عنها لعدم ولدها وزوجها ، وذلك يشبه من حالهم أخذ عدوّهم الذي هو أبعد الناس عنهم مالهم من البلاد واستحقاقه ذلك بسبب تقصيرهم عن مقاومته . وبهذه الوجوه من الشبه أشبهوا المرأة المذكورة وتمَّ توبيخهم من هذه الجهة ، ثم أخبرهم على التضجّر من حاله معهم بأنّه لم يأتهم إيثاراً للمقام بينهم ، ولكن سوقاً
--> ( 1 ) قال الزمخشري في معنى العبارة : أنه يكيل العلوم الجمّة ، وهو لا يأخذ ثمناً بذلك الكيل ، إلّا أنه لايصادف واعياً للعلم وحاملا له بحق . الفائق في غريب الحديث 86 : 4 باب الواو مع الياء . ( 2 ) نهج البلاغة ص 100 رقم 71 .