عادل عبد الرحمن البدري
20
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
الجميع الذين ذابوا في هذا الاندماج الاقتصادي والاجتماعي . . . وقد يتميّزون كطبقات أو تكتّلات مهنية ونقابية ، ولكنهم جميعاً مواطنون تمزّق ما كان ينتظمهم من قبائل وعشائر وبطون « 1 » . وهذا النظام في بعض خطوطه العامة يقترب من الرؤية الإسلامية التي تلغي الروابط الخارجية في الوطن الواحد وتتمسك برابطة الإيمان . ومع ظهور السلبيات الكثيرة في تجربة الدولة القومية الحديثة ، فقد تتماثل هذه التجربة من أوجه مع التجربة الإسلامية الأولى ، في العصور السياسية الأولى للدولة الإسلامية التي أسسها النبي ( ص ) ، فمفهوم المؤمن والمؤمنون حطم ومزّق العصبيات التي نسجت خيوطها الحالة الاجتماعية التي كان عليها الناس ، فالانتماء إلى وطن الإسلام قد وثّق وشيجة ورابطة قوية عرفها التاريخ في مصطلح المؤمن والمسلم والمجاهد والمعاهد والتقيّ وغير ذلك ، وهذا المصطلح أو ذاك : عكس لنا النظام السياسي للإسلام الذي جمع الكتل والقوى في الوطن الكبير ، تحت عنوان الإيمان والدين والمصالحة والمعتقد ، برزت ضمن تجارب شتّى عرفها التاريخ الإسلامي بدءً بالتجربة الكاملة للنبي ( ص ) وتجربة الخلافة مروراً بالتجربة العلوية ، ثمّ الانعطاف الذي عرف في عهود الدول اللاحقة ، فلم تنتكس الدولة أو النظام السياسي للإسلام ، وإنّما انتكس رجالات في الدولة الإسلامية ، ولذا لا يمكن تحميل الإسلام الإخفاقات التي حصلت في تاريخ الدول الإسلامية ، لأنّ الإسلام لم يفرض شكلًا من أشكال الحكم محدد التفاصيل والجزئيات فيجرفه الزمن بتبدّلات أحواله ، ولا ترك الأمر مهملًا والجو فارغاً لتملأه المصالح والأهواء أو التقاليد المحلّية الموروثة ، ولكنه فعل ما هو خير من الطريقتين ، فقد قدّم للناس مبادئ عامة أثبتت تجارب البشرية في المجال الدستوري السياسي صلاحها ، وقواعد عامة مثالية تتطلع البشرية إلى تحقيقها ، وترك التفصيلات الجزئية والتطبيقات العملية التي يمكن أن تحتملها هذه المبادئ والقواعد لاجتهاد البشر حسب اختلاف أطوارهم وبيئاتهم
--> ( 1 ) محمد فتحي عثمان ، المدخل إلى التاريخ الإسلامي ، دار النفائس ص 401 .