السيد منذر الحكيم

118

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر

لاتعترف بإمكان انبثاق النظام ، إلّاعن عقل بشريّ محدود . فالنظام الرأسمالي مادّي بكلّ ما للَّفظ من معنى ، فهو إمّا أن يكون قد استبطن الماديّة ، ولم يجرأ على الإعلان عن ربطه بها ، وارتكازه عليها ، وإمّا أن يكون جاهلًا بمدى الربط الطبيعي ، بين المسألة الواقعية للحياة ومسألتها الاجتماعية . وعلى هذا فهو يفقد الفلسفة التي لابدّ لكلّ نظام اجتماعي أن يرتكز عليها . وهو - بكلمة - نظام مادّي ، وإن لم يكن مُقاماً على فلسفة مادّية واضحةِ الخطوط . موضع الأخلاق من الرأسمالية وكان من جرّاء هذه المادّية التي زخر النظام بروحها : أنْ أقصيت الأخلاق من الحساب ، ولم يلحظ لها وجود في ذلك النظام ، أو بالأحرى تبدّلت مفاهيمها ومقاييسها ، وأعلنت المصلحة الشخصية كهدف أعلى ، والحرّيات جميعاً كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة ، فنشأ عن ذلك أكثر ما ضجّ به العالم الحديث من محن وكوارث ، ومآسي ومصائب . وقد يدافع أنصار الديمقراطية الرأسمالية عن وجهة نظرها في الفرد ومصالحه الشخصية ، قائلين : إنّ الهدف الشخصي بنفسه يحقّق المصلحة الاجتماعية ، وإنّ النتائج التي تحقّقها الأخلاق بقيمها الروحية تحقّق في المجتمع الديمقراطي الرأسمالي ، لكن لا عن طريق الأخلاق ، بل عن طريق الدوافع الخاصّة وخدمتها . فإنّ الإنسان حين يقوم بخدمة اجتماعية يحقّق بذلك مصلحةً شخصيةً أيضاً ؛ باعتباره جزءاً من المجتمع الذي سعى في سبيله ، وحين ينقذ حياة شخص تعرّضت للخطر فقد أفاد نفسه أيضاً ؛ لأنّ حياة الشخص سوف تقوم بخدمة للهيئة الاجتماعية ، فيعود عليه نصيب منها ، وإذاً فالدافع الشخصي والحسّ النفعي يكفيان لتأمين المصالح الاجتماعية وضمانها ، ما دامت ترجع بالتحليل إلى مصالح خاصّة ، ومنافع فردية .