السيد منذر الحكيم
110
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر
نحن إذاً وفي هذا الضوء نشعر بحاجة ، لا إلى اكتشاف النظام الأصلح لمجموع الإنسانية فحسب ، بل إلى دافع يجعلنا نعنى بمصالح الإنسانية ككلّ ، ونسعى إلى تحقيقها وان اختلفت مع مصالح الجزء الذي نمثّله من ذلك الكلّ . رابعاً : أنّ النظام الذي يُنشِئه الإنسان الاجتماعي ، ويؤمن بصلاحه وكفاءته ، لا يمكن أن يكون جديراً بتربية هذا الإنسان ، وتصعيده في المجال الإنساني إلى آفاق أرحب ؛ لأنّ النظام الذي يصنعه الإنسان الاجتماعي يعكس دائماً واقع الإنسان الذي صنعه ، ودرجته الروحية والنفسية . فإذا كان المجتمع يتمتّع بدرجة منخفضة من قوّة الإرادة وصلابتها - مثلًا - لم يكن ميسوراً له أن يربّي إرادته وينمّيها ، بإيجاد نظام اجتماعي صارم يغذّي الإرادة ويزيد من صلابتها ؛ لأنّه ما دام لا يملك إرادةً صلبة ، فهو لا يملك القدرة على إيجاد هذا النظام ووضعه موضع التنفيذ ، وإنّما يضع النظام الذي يعكس ميوعة إرادته وذوبانها . وإلّا فهل ننتظر من مجتمع لا يملك إرادته إزاء إغواء الخمرة - مثلًا - وإغرائها ، ولايتمتّع بقدرة الترفّع عن شهوة رخيصة كهذه ، وهل ننتظر من هذا المجتمع أن يضع موضع التنفيذ نظاماً صارماً يحرِّم أمثال تلك الشهوات الرخيصة ، ويربّي في الإنسان إرادته ، ويردّ إليه حرّيته ويحرّره من عبودية الشهوة وإغرائها ؟ ! كلًاّ طبعاً ، فنحن لا نترقّب الصلابة من المجتمع الذائب ، وإن أدرك أضرار هذا الذوبان ومضاعفاته ، ولا نأمل من المجتمع الذي تستعبده شهوة الخمرة ، أن يحرِّر نفسه بإرادته مهما أحسّ بشرور الخمرة وآثارها ؛ لأنّ الإحساس إنّما يتعمّق ويتركّز لدى المجتمع ، إذا استرسل في ذوبانه وعبوديّته للشهوة وإشباعها ، وهو كلّما استرسل في ذلك أصبح أشدّ عجزاً عن معالجة الموقف ، والقفز بإنسانيته إلى درجات أعلى . وهذا هو السبب الذي جعل الحضارات البشرية ، التي صنعها الإنسان تعجز