السيد منذر الحكيم
111
مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر
- عادةً - عن وضع نظام يقاوم في الإنسان عبوديته لشهوته ، ويرتفع به إلى مستوىً إنسانيٍّ أعلى . حتّى لقد أخفقت الولايات المتّحدة - وهي أعظم تعبير عن أضخم الحضارات التي صنعها الإنسان - في وضع قانون تحريم الخمرة موضع التنفيذ ؛ لأنّ من التناقض أن نترقّب من المجتمع الذي استسلم لشهوة الخمرة وعبوديتها ، أن يسنّ القوانين التي ترتفع به من الحضيض الذي اختاره لنفسه . بينما نجد أنّ النظام الاجتماعي الإسلامي - الذي جاء به الوحي - قد استطاع بطريقته الخاصّة ، في تربية الإنسانية ورفعها إلى أعلى ، أن يحرِّم الخمرة وغيرها من الشهوات الشرّيرة ، ويخلق في الإنسان الإرادة الواعية الصلبة . ولم يبقَ علينا - بعد أن أوضحنا جانباً من الفروق الجوهرية بين التجربة الاجتماعية ، التي يمارسها المجتمع بأسره ، والتجربة الطبيعية التي يمارسها المجرِّب نفسه - إلّاأن نثير السؤال الأخير في مجال بحث المسألة التي ندرسها ( مسألة مدى قدرة الإنسان في حقل التنظيم الاجتماعي ، واختيار النظام الأصلح ) وهذا هو السؤال : ما هي قيمة المعرفة العلمية في تنظيم حياة الجماعة ، وإرساء الحياة الاجتماعية والنظام الاجتماعي على أساس علميّ من التجارب الطبيعية ، التي تملك من الدقّة ما تتّسم به التجارب في مجال الفيزياء والكيمياء ، ونتخلّص بذلك من نقاط الضعف ، التي درسناها في طبيعة التجربة الاجتماعية ؟ وبكلمة أخرى : هل في الإمكان الاستغناء - لدى تنظيم الحياة الاجتماعية والتعرّف على النظام الأصلح - عن دراسة تاريخ البشرية ، والتجارب التي مارستها المجتمعات الإنسانية عِبر الزمن ، والتي لا نملك تُجاهها سوى الملاحظة عن بعُد ، ومن وراء ستائر الزمن التي تفصلنا عنها ، هل في الإمكان الاستغناء عن ذلك كلّه ، بإقامة حياتنا الاجتماعية في ضوء تجارب علمية نعيشها ونمارسها بأنفسنا ، على هذا أو ذاك من الأفراد ، حتّى نصل إلى معرفة النظام الأصلح ؟