السيد منذر الحكيم

108

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر

التجربة الطبيعية حين يقوم بها ، وإنّما يعاصر جانباً من أحداثها ، ويتحتّم عليه أن يعتمد في الاطّلاع على سائر ظواهر التجربة ومضاعفاتها على الحدس ، والاستنتاج ، والتاريخ . ثانياً : أنّ التفكير الذي تبلوره التجربة الطبيعية أكثر موضوعيةً ونزاهةً ، من التفكير الذي يستمدّه الإنسان من التجربة الاجتماعية . وهذه النقطة من أهمّ النقاط الجوهرية ، التي تمنع التجربة الاجتماعية من الارتفاع إلى مستوى التجربة الطبيعية والعلمية ، فلابدّ من جلائها بشكل كامل . ففي التجربة الطبيعية ترتبط مصلحة الإنسان - الذي يصنع تلك التجربة - باكتشاف الحقيقة ، الحقيقة كاملة صريحة دون مواربة ، وليس له - في الغالب - أدنى مصلحة بتزوير الحقيقة أو طمس معالمها ، التي تتكشّف خلال التجربة . فإذا أراد - مثلًا - أن يجرِّب درجة تأثّر جراثيم السلّ بمادّة كيمياوية معيّنة ، حين إلقائها في محيط تلك الجراثيم ، فسوف لايهمّه إلّامعرفة درجة تأثّرها مهما كانت عاليةً أو منخفضة ، ولن ينفعه في علاج السلّ ومكافحته أن يزوِّر الحقيقة ، فيبالغ في درجة تأثّرها أو يهوِّن منها . وعلى هذا الأساس يتّجه تفكير المجرِّب - في العادة - اتّجاهاً موضوعياً نزيهاً . وأمّا في التجربة الاجتماعية ، فلا تتوقّف مصلحة المجرِّب دائماً على تجلية الحقيقة ، واكتشاف النظام الاجتماعي الأصلح لمجموع الإنسانية ، بل قد يكون من مصلحته الخاصّة أن يستر الحقيقة عن الأنظار . فالشخص الذي ترتكز مصالحه على نظام الرأسمالية والاحتكار ، أو على النظام الربوي للمصارف - مثلًا - سوف يكون من مصلحته جدّاً أن تجئ الحقيقة مؤكِّدةً لنظام الرأسمالية ، والاحتكار ، والربا المصرفي ، بوصفه النظام الأصلح ، حتّى تستمرَّ منافعه التي يدرّها عليه ذلك النظام . فهو إذاً ليس موضوعياً بطبيعته ، ما دام الدافع الذاتي يحثّه على اكتشاف الحقيقة