محمد حسين الحسيني الجلالي
183
لباب النقول في موافقات جامع الأصول
في بيوتهما يبكيان ، وأمّا أنا فكنتُ أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج ، فأشهد الصلاة ، وأطوف في الأسواق ، فلا يكلّمني أحد ، وآتي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . فأُسلّم عليه - وهو في مجلسه - بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام أم لا ؟ ثمّ اصلّي قريباً منه ، واسارقُهُ النّظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ ، فإذا التفتُّ نحوه أعرض عنّي ، حتّى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة المسلمين مشيتُ حتّى تسوّرتُ جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمّي ، وأحبّ النّاس إليّ - فسلّمت عليه ، فواللَّه ما ردّ عليّ السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك باللَّه ، هل تعلمني أني احِبُّ اللَّه ورسوله ؟ قال : فسكت ، فعدتُ فناشدته ، فسكت ، فعدت فناشدته ، فقال : اللَّه ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي وتولَّيتُ حتّى تسوّرت الجدار ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نَبَطيٌّ من نبط أهل الشام ، ممّن قدم بطعامٍ يبيعه بالمدينة ، يقول : من يدلّ على كعب بن مالكٍ ؟ قال : فطفِقَ النّاس يشيرون له إليَّ ، حتّى جاءني ، فدفع إليّ كتاباً من ملك غسَّان ، وكنت كاتباً ، فقرأته فإذا فيه : « أمّا بعد ، فإنّه قد بلغنا : أنّ صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللَّه بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ ، فالحَق بنا نُواسِكَ » قال : فقلتُ حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاءِ ، فيمَّمتُ بها التنّور ، فسجرتُها ، حتّى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبث الوحي ، فإذا رسولُ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يأتيني ، فقال : إنَّ رسول اللَّه يأمرك أن تعتزل امرأتك ، قال : فقلتُ : أطلّقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا ، بل اعتزلها . فلا تَقْرَبنَّها ، قال : وأرسل إلى صاحِبيَّ بمثل ذلك ، قال : فقلتُ لامرأتي : إلحقي بأهلك ، فكوني عندهم ، حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر . قال : فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول اللَّه ، إنّ هلال بن اميّة شيخ ضائع ، ليس له خادم ، فهل تكرهُ أن أخدُمه ؟ قال لا ، ولكن لا يقربنَّكِ ، فقالت : إنَّه واللَّه ما به حركةٌ إلى شيء ، وواللَّه ما زال يبكي ، منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . قال : فقال لي بعضُ أهلي : لو استأذنتَ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في امرأتك ، فقد أذن لامرأة هلالٍ بن اميّة أن تخدمه ، قال : فقلتُ : لا أستأذن فيها رسول اللَّه ، وما يدريني ما يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا استأذنتُه فيها ، وأنا رجلٌ شابٌّ ؟ قال : فلبِثْتُ بذلك عشر ليالٍ ، فكمُلَ لنا خمسونَ ليلة من حين نهى عن كلامنا ، قال : ثم