محمد حسين الحسيني الجلالي

184

لباب النقول في موافقات جامع الأصول

صليتُ صلاةَ الفجر صباح خمسين ليلةً ، على ظهر بيتٍ من بيوتِنا ، فبينما أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكر اللَّه منَّا : قد ضاقَتْ عليَّ نفسي ، فضاقَتْ عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ ، سمعتُ صوتَ صارخٍ أوفى على سلعٍ يقول بأعلى صوتِهِ : يا كعب بن مالِكٍ ، أبشِرْ ، قال : فخررتُ ساجداً ، وعلمتُ أن قد جاء فرجٌ ، قال : وآذنَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بتوبةِ اللَّهِ علينا ، حين صلَّى صلاة الفجر ، فذهب النَّاس يُبَشّروننا ، فذهب قِبَل صاحِبَيّ مبشّرون ، وركض رجل إليّ فرساً ، وسعى ساعٍ من أسلَمَ قِبَلِي ، وأوفى على الجبل ، وكان الصوتُ أسرعَ من الفرس ، فلمّا جاءني الذي سمعتُ صوتَهُ يبشّرُني ، نزعتُ له ثوبيّ . فكسوتُهُما إيَّاهُ بِبِشارَتِهِ ، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذٍ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أتأمّم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، يتلقَّاني النّاس فوجاً فوجاً ، يهنّئوني بالتّوبة ، ويقولون : لتهنك توبةُ اللَّه عليك ، حتّى دخلت المسجد . فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حوله النّاس ، فقام طلحة بن عبيد اللَّه يهرول ، حتى صافحني وهنّأني ، واللَّه ما قام رجل من المهاجرين غيره . قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال كعب : فلمّا سلّمت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال - وهو يبرُقُ وجهه من السرور - : أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أُمّك ، قال : فقلت : أمِن عندك يا رسول اللَّه أم من عند اللَّه ؟ فقال : بل من عند اللَّه ، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا سُرّ استنار وجهه ، حتّى كأنّ وجهه قطعة قمر ، قال : وكنّا نعرف ذلك ، قال : فلمّا جلست بين يديه ، قلت : يا رسول اللَّه ، إنّ من توبتي أن أنْخلع من مالي صدقةً إلى اللَّه وإلى رسول اللَّه ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أمسك ببعض مالك ، فهو خير لك ، قال : فقلت : فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر ، قال : وقلت : يا رسول اللَّه ، إنّ اللَّه إنَّما أنجاني بالصدق ، وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلّاصدقاً ما بقيت ، قال : فو اللَّه ما علمتُ أحداً من المسلمين أبلاه اللَّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أحسن ممّا أبلاني اللَّه ، وواللَّه ما تعمّدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومي هذا ، وإنّي لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقي . قال : فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ