محمد حسين الحسيني الجلالي

182

لباب النقول في موافقات جامع الأصول

قال كعبٌ : فلمَّا بلغني أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد توجَّه قافِلًا من تبوك ، حضرني بَثِّي ، فطفقت أتذكّر الكذب ، وأقول : بما اخرجُ من سخطِهِ غداً ؟ وأستعين على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي ، فلمَّا قيل : إنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد أظلَّ قادماً زاح عنّي الباطل ، حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبداً ، فأجمَعْتُ صِدقَهُ ، وأصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قادماً ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للنَّاس ، فلمّا فعل ذلك جاءه المُخَلَّفون ، فطفِقُوا يعتذرون إليه ، ويحلِفون له - وكانوا بِضْعَةً وثمانين رجلًا - فقبِلَ منهم عَلانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللَّه ، حتّى جئتُ ، فلمّا سلّمتُ تبسّم تبسُّم المُغضب ، ثم قال : تعال ، فجئتُ أمشي ، حتّى جلستُ بين يديه ، فقال لي : ما خَلَّفَكَ ؟ ألم تكنْ قد ابتعتَ ظهرَكَ ؟ قلتُ : يا رسول اللَّه ، إنّي واللَّهِ لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيتُ أنّي سأخرُجُ من سخطه بعُذرٍ ، لقد اعطِيتُ جدلًا ، ولكنّي واللَّه لقد علمتُ لئن حدّثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عنّي ، ليوشِكنَّ اللَّهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ ، ولئن حدَّثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه ، إنّي لأرجو فيه عُقبى اللَّه عز وجلَّ - وفي رواية : عفو اللَّه - واللَّه ما كان لي من عذر ، واللَّه ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلَّفت عنك . قال : فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أمّا هذا فقد صدق ، فقُم حتى يقضي اللَّه فيك ، فقمت . وثارَ رجالٌ من بني سلمة ، فاتّبعوني ، فقالوا لي : واللَّه ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا ، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرتَ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بما اعتذر إليه المخلَّفون ، فقد كان كافيك ذنبك : استغفار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . قال : فواللَّه ما زالوا يؤنّبونني حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فأكذّبُ نفسي ، قال : ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحدٍ ؟ قالوا : نعم ، لَقِيَهُ معك رجلان ، قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك ، قال : قلتُ : من هما ؟ قالوا : مرارَةُ بن الرَّبيع العامري . وهلالُ بن أُمَيَّةَ الواقِفي ، قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ، ففيهما لي أسوة ، قال : فمضيت حين ذكروهما لي ، قال : ونهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن كلامنا أيّها الثلاثة من بين من تخلَّف عنه ، قال : فاجتنبنا النَّاسُ - أو قال : تغيّروا لنا - حتى تنكّرت لي في نفسي الأرضُ ، فما هي بالأرض التيغ أعرف ، فلبِثْنا على ذلك خمسين ليلةً ، فأمَّا صاحباي فاستكانا ، وقعدا