السيد هادي الخسروشاهي
90
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
حتّى وصل الأمر إلى أنّه لو عرض على طالب جامعي أن يدرس في معاهد الدين لبهت وأخذ كأنّما أُنذر بالموت ، هذا بعد أن كانت المعاهد إلى زمن غير بعيد تلحق بالمساجد . إنّ الدين كقوة فقد كثيراً من جنوده بتسريح الشباب من ميدانه ، وباعتزال رجاله معترك الحياة بعد أن كانوا يعيشون في صميمها ، ويأخذون بيدهم التعليم وهو ضرورة للإنسان كالماء والهواء ، بينما خصوم الدين ومستغلّوه الذين كانوا في الماضي أفراداً أو جماعات متفرّقة أو حكومات محلّية محدودة القوى ؛ تحوّلوا إلى كتلتين عالميتين ، إحداهما تحاربه حرباً عنيفة قاسية ، والأخرى تحاول أن تستغلّه استغلالًا كاملًا ، وكلتاهما تؤذي الدين ، وتقوّض دعائمه ، وتعصف بكل مقوّماته عصفاً . نعم ، لقد أصبح الذين في العصر الحديث بعد ما ارتبطت أجزاء العالم المتباعدة يواجه كتلتين قويتين تشملان العالم تقريباً : كتلة تنكره ، وتبني سياستها على محوه ، وتحاربه بشتى الوسائل ، وتصفه بأنّه مخدّر و « أفيون » للشعوب ، وتسفّ في التعريض به ، وتعزو إليه كلّ جدب يصيب النفوس وكلّ نقص يصيب الزروع . وكتلة أخرى تظهر بمظهر المؤيّد للدين ؛ رغبةً منها في استغلاله ضد غريمتها ، فهي تعمّر المعابد ، وتشجّع على بناء الكنائس ، وتسرف أحياناً في هذا إسرافاً كثيراً « 1 » . وهذه الكتلة التي تتظاهر بتأييد الدين ، هي نفسها تتحفنا بأفكار وتقاليد وتصرّفات أقلّ ما يقال فيها إنّها تبثّ روح الاستخفاف بالدين ، وتغري الناس بالخروج على تقاليده وتعاليمه .
--> ( 1 ) . يدلّ عليه ما نشرته أخيراً إحدى النشرات الفرنسية تحت عنوان : أكبر لوحة زجاجية في العالم حيث تقول : أوصت إحدى الكنائس الأمريكية خبيرين فرنسيين من مقاطعة « بريتاني » بصنع أكبر لوحة زجاجية ستزدان بها إحدى واجهات الكنيسة ، وسيكون طولها 40 متراً وارتفاعها 5 / 17 مترا ، وقد سبق للخبيرين المذكورين أن صنعا لوحة زجاجية أخرى بديعة لإحدى الكنائس بكندا ! !