السيد هادي الخسروشاهي
88
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
ويرأسون الديانات . وقد أسرف بعضهم في ذلك وحاول أن يفيد من ديانتين متباينتين في وقت واحد ، كما فعل قسطنطين ، الذي لم يكتف بأن يكون الكاهن الأعظم في الديانة الوثنية السائدة ، بل كان في نفس الوقت حامي المسيحية وناشر فكرتها ، ومؤسّس القسطنطينية مركز الكنيسة الرومانية الشرقية . على أنّ الدين رغم ما واجه من عنت خصومه ومستغلّيه في كلّ عصر ، ظلّ قوي النفوذ ، واسع السلطان ، مسيطراً على القلوب ، وذلك لأسبابٍ ، أهمها : أنّ العلم كان بيده ، بل كاد يكون احتكاراً لرجاله على مدى العصور . ولا نريد أن نوغل في القديم أكثر من هذا ، لنذكّر القارئ بآثار كهنة سومر - أقدم الديانات - أو كهنة بابل ، أو غرائب علوم كهنة مصر ، أو أسرار مؤبذان فارس ، أو ما إلى ذلك ، بل حسبنا أن نذكّره بأنّ العلم كان بيد الكنيسة المسيحية ، وأنّ الإسلام جعل للعلم قداسة كالدين ، فكان كلّ درس يبدأ باسم اللَّه والتعوّذ من الشيطان الرجيم ، وكان طلّاب التفقّه في الدين يدرسون الفلسفة والرياضة والفلك والطب والكيمياء ، كما كانت المعاهد الدينية هي نفسها مدارس علوم الحياة ، وعلماء الدين هم أساتذة تلك العلوم . لكن معاهدنا الدينية الإسلامية هجرت كلياً علوم الحياة ، كما أنّ الغرب المسيحي انحرف عنها إلى حدٍّ كبير وإن ظلّت المدارس الدينية في بعض بلادهم تساهم مساهمةً كبيرةً في تثقيف الشباب مع صبغهم بروح الدين ، والدليل على ذلك ما قرأناه في الصحف بالأمس القريب عمّا وقع في بلجيكا البلد الأوروبي المتحضّر ، تحت عناوين بارزة مثيرة مثل : « بلجيكا على أبواب حرب أهلية » ومجمل الخبر أنّ الحكومة البلجيكية خفّضت المعونة التي تقدّمها إلى المدارس الكاثوليكية ، وأنّ هذا أثار أغلبية الشعب - وهم تلاميذ تلك المدارس طبعاً - فاحتشدت مظاهرة في الشوارع من مائة ألف كاثوليكي ، فيهم رئيس وزارة سابق ، احتجاجاً على هذا التصرّف .