السيد هادي الخسروشاهي
145
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
تنهض ، وأن تّتخذ لها مكانةً بين الأمم . لقد كان من نتائج هذا الاضطراب في الأفكار والمعارف الدينية ، وتكفير كلّ طائفة للأخرى ، أو اعتدادها بآرائها على أنّها هي الحقّ وما سواها هو الباطل ، وأنّ من خرج على هذه الآراء فقد خرج على شيء مقدَّس ومرق أو تزندق أو تطرّف . كان من آثار ذلك مثل ما كان من آثار الركود الفقهي حين خرجت الأمة الإسلامية عن فقهها إلى ما سواه ، ذلك أنّ كثيراً من الشباب يخرجون على هذا التراث الفكري عامة ، ويجنّبون أنفسهم مشقّاته وأهواله ، ويبتعدون عن أخطاره ومزالقه ، ومغبّة البحث فيه ؛ حذراً من أن يضلّوا في مجاهله ، أو يصيبهم رشاش من التكفير أو التفسيق ، فنراهم يتجاوزون هذه الثقافات الفكرية الإسلامية ، غير مميّزين بين غثّها وسمينها إلى غذاء علمي آخر لأرواحهم وعقولهم في المعارف الفكرية الأجنبية ، يتلقّفونها من علماء الغرب ومفكّريه ومستشرقيه والمأخوذين به ، ويعتقدونها هي العلم الصحيح ، والغذاء المفيد ، والآراء الصالحة للحياة . ولقد رأينا هذه النزعة الخطيرة تستولي على شبابنا وكثير من مفكّرينا ، وتتغلغل في أعماق نفوسهم ، وتسيطر على أفكارهم وعقولهم ، وتعمل عملها دون أن يشعروا أو تشعر الأمة بما لها من إيحاءات خفيّة ، وضرر يسري كالسمّ الزعاف في أناة ومثابرة حتّى يهلك أو يقارب ، ومن شأن هؤلاء أن يهون عليهم تاريخهم ، وتصغر في أعينهم ثقافتهم ، بل أن يصبح دينهم غير عزيز عليهم ، ولا أثير لديهم ، وربّما مقتوه وفرّوا منه ، وتباهوا بأنّهم علوا عنه ، وارتفعوا بأنفسهم عن مستواه . هذه بعض أخطار التفرّق الذي مني به المسلمون ، أضعفتهم وأطمعت فيهم أعداءهم ، بل سلّطت عليهم هؤلاء الأعداء يسومونهم الخسف والذلّ وسوء العذاب ، وهوّنت من شأن ثقافاتهم ودينهم ، وجعلت العزّة والسلطان لغيرهم ، وإنّما العزّة للَّه ولرسوله وللمؤمنين .