السيد هادي الخسروشاهي

144

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

والزندقة والخروج على الدين ، وأمثال تلك الاتّهامات الطائشة التي أرست بينهم العداوة والبغضاء ، وزرعت في قلوبهم الحقد والضغينة وسوء الظنّ ، وبذلك ساعدوا على أنفسهم ، ومكّنوا لأعدائهم من رقابهم وأوصالهم . حدث هذا كلّه ، وما زال يحدث ، مع أنّ هذه الخلافات عند كثير من طوائف المسلمين وفرقهم لا ترجع إلى أصول الدين ، ولا تمسّ العقائد التي أوجب اللَّه الإيمان بها ، والتي يعدّ الخروج عنها خروجاً عن الدين ، ومن الممكن - إذا وجدت هذه الفرق من يقرّب بينها ، ويدرس أسباب خلافاتها - أن تعرض هذه الخلافات عرضاً هادئاً ، دون تأثيرات خارجية ولا تعصّبية ، فيتبيّن الحقّ فيها ، ويزول كثير من أسباب الجفوة والقطيعة بين أرباب الدين الواحد ، والنبي الواحد ، والكتاب الواحد . من الممكن أن يتقارب المسلمون فيعلموا أنّ هناك فرقاً بين العقيدة التي يجب الإيمان بها ، وبين المعارف الفكرية التي تختلف فيها الآراء دون أن تمسّ العقيدة ، ويؤمئذ يهون الأمر ، فنجمع على ما نجمع عليه ، وإذا اختلفنا لم يكن خلافنا إلّاكما يختلف أهل المذاهب الفقهية دون خصام ولا اتّهام ، ودون توجّس واسترابة وسوء ظنّ بما يجعلنا متقاطعين في معاملاتنا ، ومصاهراتنا وثقافاتنا . يومئذٍ يعود المسلمون كما كانوا أمةً واحدةً ، دينها الإسلام ، وكتابها القرآن ، ورسولها محمد عليه الصلاة والسلام ، تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتتقبّل الكلام فيما وراء ذلك على أنّه آراء يدلي كلّ بما يراه منها ، دون أن تسيء إلى وحدة المسلمين ، أو تكون عاملًا من عوامل فرقتهم وضعفهم . كان هذا ممكناً ، وما زال ممكناً ، ولا سيما بعد أن اتّسع نطاق العقول ، وانتشر لواء العلم خفّاقاً ، وأحسّ المسلمون بضرر ما هم عليه من التفرّق والتطاحن ، وبأنّ هذه الخلافات قد احتسبت خلافات متّصلة بأصل الدين وأساس العقيدة ، واتّخذت لذلك علامة عند أعداء الإسلام على أنّ هذا الدين لا يستطيع النهوض بأمةٍ تريد أن