السيد هادي الخسروشاهي

134

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

فيهم ، لا تنتهي ولا تقف عند حدّ ، فكلّما جاء جيل من الناس جاءت معه أحداثه وتصرّفاته وألوان نشاطه ، فإذا كان من قصد الشريعة أن تنصّ على كلّ حكم من لدن جاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تقوم الساعة ، لما وسع الناس أن يحفظوها ، ولا سيما وقد أُنزلت على قوم أُميّين في جزيرة صغيرة محدودة القدرة ، وفي زمانٍ أقرب إلى البدائية الأولى ، لم يكن العلم فيه قد تقدّم كعهدنا به اليوم ، فلم يبق إلّا أن تضمن الأدلّة والمصادر المحدودة للشريعة ما يمكّن العقول من الاستنباط منها كلّما دعا إلى ذلك داعٍ ، ولذلك وجدت المبادئ العامة والأصول التي يرجع إليها ، وكان منها ما هو قطعي دائم ، ككون الشريعة يسراً لا عسراً ، وكون المعاملات مبنية على المصالح ، وكون العرف محكّماً فيما لا نصّ فيه ، ووجوب حفظ المال والنفس والعرض والعقل والدين . . . وغير ذلك من الكلّيات التي ترجع إليها الفروع والأحكام . هذا هو الوضع الحكيم الرحيم الذي جاءت عليه الشريعة الإسلامية ، ولم يكن من الحكمة ولا من الرحمة أن تجيء على وضعٍ سواه ، بل أنّ ذلك غير ممكن في نفسه ، فلا نتصوّر أن يكون ، ولذلك أبى مالك أن يقبل ما عرضه عليه صاحب السلطان ، لأنّه يعلم أنّ كتابه الذي ألّفه وجمعه ليس هو كلّ شيء في هذه الشريعة ، وليس هو الكلمة الفاصلة في كلّ أمرٍ من أمورها ، أو مسألةٍ من مسائلها ، فلغيره نظر كنظره ، وبحث كبحثه ، وجمع كجمعه ، وقد يكون عند غيره من العلم ما ليس عنده ، ولعلّه لو اطّلع عليه لأخذ به ، ورجع عمّا كان قد اختاره ، وقد يحمل علمه إلى قوم في بلد من بلاد المسلمين سبق إليهم من قبله علم من غيره أخذوا به . وعرفوا أنّه الحقّ ، فكيف يحملون على غير ما يعلمون ، كلّ هذا دعا مالكاً ( رض ) إلى أن يقول للمنصور ، وهو يعلّل إباءه قبول ما عرضه عليه : « إنّ الناس قد سبقت لهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كلّ قوم بما سبق إليهم ، وأتوا به من اختلاف الناس ، فدع الناس وما اختار أهل كلّ بلد منهم لأنفسهم » .