السيد هادي الخسروشاهي

135

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

في هذا التعليل الواضح تكمن نظرية التقريب القائمة على عدم الدعوة إلى الاندماج المذهبي ، وفي الفقرة الأخيرة من عبارة هذا الإمام الجليل ، وهي قوله : « فدع الناس وما اختار أهل كلّ بلد منهم لأنفسهم » ، في هذه الفقرة تعبير عن الأسلوب الصحيح الذي يجب أن نسلكه للتقريب بين المسلمين ، فللناس أن يحتفظوا بما عندهم من العلم ، ولهم أن يرجّحوا ما شرح اللَّه له صدورهم من الأفهام والروايات ما داموا مؤمنين بأصول دينهم ومصادر تشريعهم ، غير خارجين على كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم ، ولا مشاقّين للهدى من بعد ما تبيّن لهم ، ولا متّبعين غير سبيل المؤمنين . وبعد هذا يجب أن يعذر كلّ فريق أصحابه ، كما كان سلفنا الصالح يفعلون ، يجب أنّ يذكروا أنّ الخلاف الحرّ الشريف لايفسد قضية الودّ والتعاون بين الأخ وإخوانه . إنّ مالكاً حين أشار على صاحبه أن يدع الناس وما اختاروا لأنفسهم ، لم يشر عليه بذلك لأنّه لا يعتّد بأمر المسلمين ، ولا يعبأ بهم ، ولم يشر عليه بذلك لأنّه ضنّ عليهم بأمرٍ يعلم فيه صالحهم ، ولكنّه أشار عليه بذلك لأنّه هو الخير كلّ الخير ، وهو الموافق لما أراده اللَّه عزّ شأنه حين وضع شريعته هذا الوضع الحكيم الرحيم ، ولا يعقل أن يكون مالك قد أراد من ترك الناس وما اختاروا أن يتعصّبوا لما عندهم ، وأن يحتربوا عليه فيما بينهم ، وأن يقطعوا في سبيل التعصّب له ما أمر اللَّه به أن يوصل من إخوة الإيمان ، وتعاون الإسلام . * * * ولم ينفرد مالك ( رض ) بالنهي عن أتباعه في كلّ ما قال به ، وإلغاء ما سواه ، فقد حدّثنا التاريخ عن سائر الأئمة بمثل ما حدّثنا به عن مالك . فأبو حنيفة ( رض ) ، كان يقول : « لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي » وكان ( رض ) إذا أفتى يقول : « هذا رأي النعمان بن ثابت - يعني نفسه - وهو أحسن