السيد هادي الخسروشاهي
102
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
هذه هي السيرة الطبيعية لازدهار الأديان وذبولها ، ما لم تجد عوامل لها تأثيرها تساعد الدين على النمو أو تسرع به إلى الاندثار ؛ كالحروب والسياسات . ومن هذا يبدو جلياً أنّ نقطة التحوّل الحقيقية تبدأ عند فصل التعليم عن الدين ، وكم كان رجالنا الأقدمون حكماء حين بنوا المدارس بجانب المساجد ، فإنّه مهما تطوّرت تلك المدارس بتطوّر العلوم ، بقي الدين في مركز الموجّه ، وبقي السلطان فيها للفضيلة ، وللفضيلة وحدها ، والدين صمّام الأمان للعلوم ، به لا تنحرف عن كونها نوراً يضيء للبشرية ، ولا تنجرف إلى خدمة الشرور والآثام . إنّ التجاوب بين الدين والمجتمع لابد أن يأتي من دور التعليم ، وهناك حقيقة تؤيّد ذلك لمستها بنفسي ورأيتها بعيني في آخر أسفاري إلى الخارج ، ففي قرية كبيرة أو بلدة صغيرة هي إحدى المراكز الجبلية التي يؤمّها المصطافون ، رأيت قسّ القرية هو صاحب الكلمة في مواطنيه وموضع التكريم والاحترام ، وكان كثير التودّد إلى القادمين والمصطافين ، يزور كثيرين منهم ، ويعرض خدماته على الجميع ، سألته - ونحن في أحد شوارع البلدة بعد أن لمست ترحيب الشيوخ والشبّان به - عن سرّ هذا الترحيب ، فما كان منه إلّاأن أشار بيده إلى بناية قريبة وقال بالفرنسية ما معناه : هذه البناية كنيسة ، وبجانبها مدرسة كما ترى ، فنحن نربّي هؤلاء صغارا ونربطهم بالكنيسة ، فينشؤون متديّنين ، فهم تلامذتنا ومريدونا . هذا ما رأيته في بلد لا ديني ، يكثر فيه السيّاح - وللسيّاح تأثيرهم - ورغم هذا فقد نجح الرجل أيّما نجاح في ربط قلوب التلاميذ بالدين . وهو فيما عمل لم يجاوز ما كان يعمله المسلمون قديماً من جعل المدرسة بجانب المسجد . إنّ العالم الذي نعيش فيه مليء بالأفكار الهدّامة ، مشحون بالسياسات المختلفة ، منها ما هي إلحادية صريحة ، ومنها ما تؤيّد الدين في الظاهر وتهدمه في الحقيقة ، وقد يلبس الإلحاد مظهر الدين ، وتبرز الأخرى عداءها له حسب المصالح والأهواء . وهذه السياسات هي التي ضخّمت الخلافات بين المسلمين ، ولا تزال تغذّي إلى