السيد هادي الخسروشاهي
101
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
أنصار التقاليد البالية الذين يستمسكون بالقديم لأنّه مألوف ، وفي المعارضة قوة ، وكم من أفكار إصلاحية تدين في بقائها ونجاحها للمعارضة له ، وعندئذٍ يطمئن رجاله ، فيبطئون في السير اعتماداً على سابق الفوز ، أو يقعدون عن العمل اغتراراً بما بلغوا من مكانة ، ويكتفون بالدفاع عن ماضٍ مشرق بدل أن يهتموا بما يدور حولهم في حاضر له ما بعده ، فإنّ الدنيا بطبيعتها متطوّرة ، وكلّ لحظة منها يمكن أن تكون مولد فكرة جديدة ، ولكل فكرة - مهما كانت - نهجها وأنصارها ، كما أنّ للغرائز آثارها ، وللفوضوية عشّاقها ومؤيّديها ، فالظروف تتبدّل ، والأفكار تتغيّر ، والمعارف قد تنطلق من مدارها الخلقي وتصطدم بالدين إن غفل رجاله عن سنّة التطوّر أو تخلّفوا عن ركب الحياة ، وبمقدار ما تتقدّم المعارف تتضاءل رقابة رجال الدين وتضعف آثار معارضتهم ، حتّى ينتهي الأمر بتقسيم المعارف إلى مدنية ودينية ، ثم تطغى المدنية فتفرض أنظمتها على أخصّ شؤون رجال الدين ، مثل الطلاق والنكاح وإجراء العقود ، وتجعلها دنيوية بحتة . بهذا الأسلوب يأخذ العلم طريقه إلى رجال غير دينيين ، وتلامذة اليوم هم رجال الغد ، وعلى هذا الأساس يقوم الفصل بين العلم والدين ، وبين الجديد والقديم ، ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل أنّه يتطوّر إلى اعتبار الدين سدّاً في وجه التقدّم العلمي ، ثم ينتهي بتحويل الفلسفة والأدب من خدمة الدين والعواصف الدينية إلى معاكسة الدين والنيل من رجاله ، وهنا يظهر التدهور الخلقي ، والاستهانة بالقيم ، وإنكار المثل ، وجحد العقائد ، وبذلك يتم الفصل بين القديم والجديد ، وينشأ التعصّب القديم ، والافتتان بكل ما هو جديد ، وتسود الفوضى الأبيقورية . إنّ الدين من غير علم - إنّ صحّ هذا التعبير - لا ينمو في ظلّه إلّاالخرافات ، والعلم من غير دين لا يجرّ سوى النكبات والاضطراب والفوضى ، والمجتمع اللاديني ينتهي دائماً بالسقوط في هاوية المادية ، ولكنّه بكل أسف يجرّ معه الدين أيضاً .