عبد الفتاح عبد المقصود
89
في نور محمد فاطمه الزهراء
القدري بأزهى الألوان ، تلك اللوحة الرائعة التي تألّقت على ديباجتها الطاهرة الأحرف الخمسة للاسم الذي أعلموا به الصغيرة . من نافذة تراث الأسرة أطلّت « فاطمة » بنت عمرو ، ثم بعده « فاطمة » بنت زائدة ، ثم بعدهما « فاطمة » بنت أسد . ثم ترجع كلّها إلى الوراء ، أجيالًا عدّة من الآباء حتّى تلتقي في لؤي بن غالب ، وتمعّن القهقَرَى « 1 » في غوصها إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل . ثلاثة أفرع من نهرٍ واحدٍ ، ثلاث فواطم من نبعٍ ثريٍّ معطاءٍ ، ثلاث نسوة كنيران القمم ، من بين نساء عهودهنّ كنّ أمّهات الفضائل ، كنّ طاهرات الذيول والأصول ، كنّ بارزات بين الأتراب ، بالسيرة والاسم ، بالصفة وبالرسم ، لا تخطئهنّ الأذهان والعيون . ثم ها هي الرابعة ! ها هي « الزهراء » ! أمّا الأُولى : فاطمة بنت عمرو ، فأُمّ جدّ الوافدة الصغيرة : عبداللَّه . وأمّا الثانية : فاطمة بنت زائدة ، فأُمّ والدتها خديجة . وأمّا الثالثة : فاطمة بنت أسد ، فأُمّ ترب طفولتها ، وصاحب رفقتها : علي بن أبي طالب ، الذي حنّ إلى من يؤنس حياته ، فجاد عليه يُمن طالعه بمبعث الحنين . ولم ينكر امرؤ من الناس يوم مولد الصبيّة الحوراء أنّ الفواطم الثلاث كنّ المرايا التي انعكس على صفحاتها اللامعة المصقولة ، اسم الأخيرة ، لكنّ كثرة القوم يومئذٍ جرى في حسبانهم أنّ ابنة أسد هي التي كانت ، من بينهنّ ، أجلى مرآة . وحقّ أن يجول هذا في الخاطر جولان يقين ، ولا عجب أن يجري ويكون ، وهل غاب عن بال أحدٍ أنّ زوج أبي طالب كانت الأم الثانية لمحمد اليتيم وهو بعد طفل لم يجاوز من عمره الغضّ ستة أعوام ، ولم يناهز غلومة الغلمان ، ما أن غربت شمس أُمّه آمنة وغابت عن دنياه ؟
--> ( 1 ) . القَهقَرَى : الرجوع إلى الوراء .