عبد الفتاح عبد المقصود

90

في نور محمد فاطمه الزهراء

ما كان هذا بعيداً عن الذكر ، ولا كان دانياً من النسيان . ففاطمة بنت أسد ، أُمّ علي ، هي التي احتضنت محمد بن عبداللَّه ، وآوته إلى حنانها منذ كفله عمّه أبو طالب ، ورعته كأرفق ما تكون رعاية أُمّ ، وأعظم ما يكون حبّها لابنٍ لها ، هو قطعة منها حملت به ، ووضعته وأرضعته ، ثم سهرت عليه الليالي الطويلة ، حليفة جهد وصبر وقلق ورجاء ، حتّى فتي فتوةً ، وشبّ شباباً ، وامتلأبالحياة ، وملأ الحياة . كانت له أُمّاً هي الحَدَب « 1 » والحبّ ، وهي الدفء والرفق ، وهي العطف ونكران الذات . * * * ما كان أعظم ما يكنّه محمد لهذه السيدة الجليلة من إعظام ! ما أبلغ ما حباها من المودّة وحسن الصحبة والولاء ! كانت دائماً معه وله ، كأنّما تسابق في إعزازه زوجها الكريم ، كانت وعمه : كافله ، يوليانه من حبّهما ملء قلبيهما الكبيرين ، كانا يقدّمانه دائماً على أبنائهما الخلّص ، حيثما وجب - في أعراف الناس ، وناموس الأُمومة والأُبوّة - تقديم الأبناء . وها هو يعبّر عن مشاعره الرفيعة نحوها ، فيضعها في « فاطمة » الصغيرة ، لكأنّه كان يرى نفسه جزءاً من حياتها ، أو يراها امتداداً في الماضي لحياته ، لكأنّما ودّ لو أطبق عليها جنبيه ، لكأنّها عدل قلبه ! وهل شيء غيرها ، سوى بنته الأثيرة ، يعدل فؤاده ؟ بل لا يدري أحد أبهذه التسمية كان الأب في محمد يكرم المولودة ، أم الابن فيه كان يكرم السيدة العظيمة ؟ لئن شطّ بعض الشطّ بينه وبين ابنة أسد المزار ، لئن نأث « 2 » بعض النأي به الدار عن الدار ، لئن أخذت أسرته الصغيرة من اهتمامه الكثير ، أو أكثر الكثير ، فلقد ظلّت

--> ( 1 ) . الحَدَب : أي الانحناء على الشيء عطفاً ورعايةً . ( 2 ) . نأث : بَعُد .