عبد الفتاح عبد المقصود
149
في نور محمد فاطمه الزهراء
الانتصاف لكلّ مظلوم من ظالمه وإن كان الظالم هو القريب ، والمظلوم هو الغريب . قال الزبير : حَلَفْتُ لنَعْقِدَن حِلْفاً عليهِم * وإنْ كُنّا جميعاً أَهلَ دارِ نُسمِّيهِ الفُضُولَ إذا عَقَدْنا * يَعِزُّ بهِ الغَريبُ لَدَى الجِوَارِ ويَعلَمُ من حَوالي البَيْتِ أَنّا * أُباةُ الضَيْمِ نَهجُرُ كلَّ عارِ « 1 » وفعلوا ، اجتمعوا وتعاقدوا وحلفوا : « لنكوننّ يداً واحدةً على الظالم مع المظلوم ، ما بلَّ بَحرٌ صُوفَه ، وما رسا مكانيهما حراء وثَبير » . أمّا اجتماعهم فإنّه التأم بدار عبداللَّه بن جُدْعان « 2 » ، وإنّه عندئذٍ لصاحب شرفٍ وفضل ، ومن المكرمات وطيب الشيم في ذروة عليّة ، ذاع بها في العرب ذكره ، وتضوّع عطره ، حتّى لنرى أُمية بن أبي الصلت « 3 » - وهو موحّد انشغل عن الدنيا ومن فيها بأمر الآخرة - قد نظم شعراً جرى بمديحه وحمده ، جاء فيه : أَأَذكرُ حاجَتي أَم قَد كَفَاني * حياؤُك ؟ إنَّ شيمتَكَ الحياءُ إذا أَثنى عليكَ المَرءُ يوماً * كَفَاهُ من تَعرُّضِكَ الثَناءُ
--> ( 1 ) . الأبيات من الوافر ، ذكرها العاصمي في السمط 1 : 236 . ( 2 ) . عبداللَّه بن جُدعان بن عمرو بن كعب ، سيد بني تيم ، من الكرماء الأجواد في الجاهلية ، وقد أدركالنبي صلى الله عليه وآله قبل النبوة ، وكانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب من عظمها ، وهو الذي يخاطبه أُمية بن أبي الصلت بأبيات اشتهر منها قوله : أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك ؟ إنّ شيمتك الحياء راجع البداية والنهاية 1 : 202 . ( 3 ) . أُمية بن عبداللَّه أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي ، شاعر جاهلي من أهل الطائف ، قال الأصمعي : ذهب أُمية في شعره بعامة ذكر الآخرة . كان مطلّعاً على الكتب القديمة ، ولذا كان ممّن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان ، رحل إلى البحرين فأقام بها سنين عديدة حتّى ظهر الإسلام فعاد إلى الطائف يسأل عن الخبر ، فقدم مكة وسمع من النبي صلى الله عليه وآله آيات لكنّه انصرف عنه وخرج إلى الشام ، ثم عاد إلى بلدته فعلم بوقعة بدر ، فامتنع وأقام بالطائف حتّى مات سنة 5 للهجرة . وذكر ابن قتيبة : كان أُمية يُخبر أنّ نبياً يخرج قد أظلّ زمانه ، وكان يؤمّل أن يكون ذلك النبي ! راجع خزانة الأدب للبغدادي 1 : 244 وما بعده ، البداية والنهاية 2 : 205 وما بعده .