عبد الفتاح عبد المقصود

146

في نور محمد فاطمه الزهراء

فطابت نفسها بعبارته التي فاض كلّ حرف من حروفها بالحنان ، وجفّت الدموع ، وأشرق في محيّاها الوضيء الابتسام . ومع ذلك ، فقد كانت دائماً على ثقةٍ لاتتزعزع أنّ ربّه لابدّ دافع عنه شرّ ما يبيتون « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ » « 1 » . فإذا كانت شؤونها قد انفرطت من عينيها دون إرادة انفراط ، فليس مسيلها نشيج فزع بقدر ما هو نظيم حبّ كبير . أمّا محمد فقد انطلق إلى المسجد على طمأنينة ويقين ، حتّى إذا قارب عقارب الدسيسة « 2 » أخذ حفنةً من تراب ورمى بها نحوهم ، وهو يقول : « شاهت الوجوه » . فكأنّه ألقى بهم في جبٍّ بلا قرار ، كأنّه حبسهم بكلماته هذه وراء أسوار شاهقة ضخمة من الصمّ والخرس وعمى العيون دونها سدّ يأجوج ومأجوج ! وانطلق من بينهم إلى موضعٍ قريب ، وقف فيه خاشعاً يصلّي للَّه ، وهم لا يرونه ولا يدركون أنّه منهم على ملمس أنملة « 3 » لا على قيد ذراع . لقد تعطّلت فيهم كلّ أعصاب الإحساس . * * * فلماذا إذاً كان بكاء الزهراء ؟ أمن جزعٍ ولوعةٍ ؟ أمِّنْ همٍّ وقلقٍ ؟ أمِّنْ خوفٌ وفرق ؟ أمِّنْ توقّع نزول شرٍّ مجهول ؟ كلمة بذاتها من هذه لا تقدّم الجواب ، لا تحيط وحدها بمعاني النحيب ، لا تنضح - مفردةً - بكلّ الأسباب . فكما يقطر ماء الأعين حين الحزن يقطر أيضاً حين الابتهاج ، قد يهتن عند الألم

--> ( 1 ) . التوبة : 32 . ( 2 ) . الدسيسة : ما أُكمن من المكر والعداوة . ( 3 ) . الأنملة : بتثليث الهمزة والميم : رأس الأصابع .