عبد الفتاح عبد المقصود
142
في نور محمد فاطمه الزهراء
أم لم يأتهم نبأ ابن الهيّبان ؟ إنّه يهودي من أهل الشام ، روى قصّته شيخ من بني قُرَيْظَة بيثرب ، قال : قدم علينا قبل الإسلام بسنين ، فحلّ بين أظهرنا ، فواللَّه ما رأينا رجلًا قطّ خيراً منه . فكنّا إذا أقحط المطر أتيناه ليستقي لنا ، فيقول : لا واللَّه حتّى تقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ، فكنّا نخرج الصدقة : صاعاً من تمر ومُدَّيْن من شعير ، فيمضي بنا إلى ظاهر حرتنا فيستقي لنا ، فواللَّه ما يبرح محلّه حتّى يمرّ السحاب ، ويسقينا اللَّه يقول الراوية : فلمّا حضرته الوفاة ، وعرف أنّه ميت ، نادى فينا : يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أهل الخمر إلى أرض البؤس والجوع ؟ قلنا : أنت أعلم . قال : إنّما قدمت هذه الأرض أتوقّع خروج نبي قد أطلّ زمانه ، وهذه البلدة مهاجره ، وكنت أرجو أن يبعث فأتّبعه ، فلا تُسبَقُنّ إليه يا معشر يهود « 1 » . فكم هي الأُلى بينهم صدّقوه ؟ * * * لكنّ قريشاً طوت كشحاً عن كلّ تلك الأنباء ، ونبت كلّ النبو بما جاءها على ألسنة أولئك وأمثالهم من الأحبار والرهبان وغيرهم من ذوي المعرفة والصفاء النفسي ، الذين دلّهم علمهم بالصحف الأُولى ، وغوصهم في آثار الأقدمين ، واستجلاؤهم خبايا الأيام - من خلال رهف الحسّ ، ونقاوة السلائق - على مبعث الرسول . لقد تواردت عليهم تلكم الأخبار في ذلك الأوان ، وكانوا لوقوع ما تومئ إليه من الأحداث ناظرين . فإن يكونوا جهلوها فهذا هو المحال ، أو يكونوا علموها وآثروا كتمانها ، فلماذا
--> ( 1 ) . راجع الطبقات الكبرى 1 : 160 - 161 .