عبد الفتاح عبد المقصود
118
في نور محمد فاطمه الزهراء
تكتنه « 1 » الأسرار ، بصفائها الروحي تحسّ المجهول ، وها هي ذي ، تعفّ عن المباذل ، وتخلد إلى جلال الهدوء ، فالهدوء يسلم إلى الصمت ، والصمت يؤدّي إلى حسن الإصغاء ، وحسن الإصغاء يمكن في التلقّي ، والتلقّي يفضي إلى الاستيعاب ، والاستيعاب يفتح الآفاق للتأمّل . فإذا هي صمتت أصغت ، وإذا هي أصغت وعت ، وإذا هي وعت أقبلت على كلّ ما يلقفه سمعها وبصرها وبالها ، تتبيّنه تحت وهج التفكير ، وإنّ نظراتها عندئذٍ لتبدو كأنّما تشرد ، وإنّ جبينها ليظهر كأنّما يتعقّد ، وإنّ ذهنها ليلوح كأنّما يسرح مترحّلًا فيما وراء المرئي المنظور . * * * ولماذا لا تألف الهدوء ؟ لِمَ لا تلزمه وتسير وإيّاه في طريق ؟ لم لا تعيشه وهو الحياة التي يحياها كلّ أولئك الذين عاشرت في دنياها الصغيرة ؟ إنّها لتعلم كيف اختار أبوها الهدوء رفيقاً له ، لا يكادان يفترقان ، منذ تفتّحت عيناها على ما حولها لم يكن يغيب عنها انفراده بنفسه الليالي الطويلة في غار حراء ، ولا كانت تغفل عن اختلائه أحياناً بحجرته بعد أن يؤوب من غيابه ، أو يفرغ من شواغل يوم مشحون ، ولا كان يعوزها أن تدرك إلى أيّ مدىً كانت أُمّها تحرص الحرص كلّه على أن توفّر لزوجها الأسباب التي تهيئ له تلك الخلوات . لأمرٍ ما كان محمد يقضي بالجبل معظم لياليه ، لأمرٍ ما كان ينقطع عن دنيا الناس ، بالغار أو بالدار ، لأمرٍ ما كان يؤثر العزلة . أبحدسها شارفت فاطمة سرّ هذا الاعتكاف ؟ أم توسّمته بحسّها الشفيف ؟ أم طالعتها في محيّا أبيها صفحات من المعاني البليغة ؟
--> ( 1 ) . اكتنه الشيء : بلغ كنهه ، والكُنه : جوهر الشيء وأصله وحقيقته .