السيد هادي الخسروشاهي
59
عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال
جانبٍ منها ، فأفسدوا فيما كتبوا مناهج البحث العلمي ، وأوصدوا دونهم أبواب العلم . وكان - للأسف الشديد - أستاذنا أحمد أمين واحداً من هؤلاء النفر الذين حجبوا عن أنفسهم نور المعرفة في ركنٍ عظيمٍ من أركان الحضارة الإسلامية ، ذلك الركن الذي سبق فيه الشيعة غيرهم من بناة الحضارة الإسلامية ، والتراث الإسلامي كما سجّلها على غيره ممّن حذا حذوه من أساتذة الجامعات الذين آثروا التعصّب الأعمى على حرّية الرأي ، وجمّدوا بآرائهم عند مذهب بعينه . وليس ذلك بالطريق السوي الذي يسلكه المحقّقون من الباحثين . ولعلّ أعظم هذه الأخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين ، وغمّ عليهم أمرهم ، فلم يفقهوها ويفطنوا إليها ، هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة ، حين لفّقوا عليهم قصة عبداللَّه بن سبأ فيما لفّقوه من قصص أشرت إلى بعضها في مؤلّفاتي ، وزعموا أن كلّ خرافة أو أسطورة أو أُكذوبة جاءت من فجر التاريخ الإسلامي ، كانت من نسجٍ لخيال علماء الشيعة ، واعتبروها مغمزاً يغمزون به عليهم . وها هو البحّاثة الجليل مرتضى العسكري يسجّل لنا في كتابه « عبداللَّه بن سبأ » أنّ هذه الشخصية لم تخرج عن كونها شخصية خرافية ، وأنّ ما أورده المؤرّخون عنه من حكايات في ترويج التشيّع ، لم يكن أكثر من أُكذوبة سجّلها الرواة حول هذه الشخصية الوهمية ، ليحملوا على الشيعة ما شاء لهم أن يحملوا ، وليغمزوا ما شاء لهم أن يغمزوا . لقد جمع هذا البحّاثة المقارن تحقيقاته العلمية ، وأبحاثه الشيّقة من متفرّقات الكتب ، ومنشورات الآثار ، وبطون المصادر ، وصال وجال في كلّ ميدان من ميادين التاريخ الإسلامي ، حتى وصل إلى هذه الحقيقة الناصعة الجلية ، وقد حاول الأستاذ المحقّق في كلّ مبحثٍ من مباحثه التي جاء بها في هذا الكتاب أن يقيم الحجّة الدامغة على أعداء الشيعة وخصومهم حين استشهدوا على آرائه العلمية بنصوص ثابتة من أقوال الخصوم أنفسهم ، فأقام الحجّة عليهم من أقرب طريق .