علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

146

سيد قطب

--> - كمصدر تاريخي بالمواد الخام التي تُسِعف مَن يريد الدراسة ويوهب الصبر ويحاول الغربلة بالمواد الأوّلية اللازمة له في بناء هيكل التاريخ » . ثَمّة تحفّظ يتحتّم أن يُطَرح إزاء الصورة كما يعرضها سيّد : إنّ مصادرنا القديمة ليست كلّها نثاراً من الحوادث والحكايات والنتَف والخرافات والروايات المتضاربة والأقوال المتعارضة . . إنّ بعضها اعتمد منهجاً نقدياً ورفض أن يجمع في إهاب واحد ما يصدق وما لا يحتمل التصديق . . مارس قدراً طيّباً من الغربلة وصولًا إلى أكثر الوقائع قُرباً من الصواب . وبعضها الآخر دَعَا بإلحاح إلى رفض الاستسلام للتناقضات للروايات الضعيفة والأكاذيب ، ومجابهة التيّار بقدرٍ من الرؤية المتبصّرة التي تعرف مظانّ الصواب فتأوي إليها ومظانّ الخطأ فتتحاشاها . . إنّ ابن خلدون وابن العربي وغيرهما هما نماذج لهذا النمط من المؤرّخين القُدامى ، ولكنّهما يبقيان بمثابة استثناء لقاعدة أطول بكثير وأعرض بكثير ، وسيّد يتحدّث عن القاعدة وليس عن الاستثناء . وأمّا الصورة الثانية لتاريخنا الإسلامي « فهي الموجودة في المصادر الأُوربية ، وبخاصّة في أعمال المستشرقين ، وهي الصورة التي تحدّثنا من قبل عنها ، وألقينا عليها في إجمالٍ بعض الأضواء . وهي تعتمد في جملتها على المصادر العربية القديمة ، وهي على ترتيبها وتنسيقها تتّسم بتلك السمات التي لا تطمئن الباحث الواعي إليها . وهي في أحسن صورها دراسة من الظاهر للحياة الإسلامية - إذا صحّ التعبير - وخير ما فيها هو الجهد في جمع النصوص وتحريرها وتنسيقها والموازنة بين الروايات المختلفة من ناحية السند الخارجي لا من ناحية الإدراك الداخلي ؛ لأن هذا الإدراك هو الذي يحتاج إلى تلك الحاسّة الناقصة في شعور الغربيّين تجاه الحياة الإسلامية كما أسلفنا ، فضلًا عن الغرض في كثيرٍ من الأحيان والهوى ، ممّا يخلّ بنزاهة الموازنة ، فضلًا عن فقد عنصر التجاوب الكامل مع المؤثّرات جميعاً » . وأمّا الصورة الثالثة « فلا تزيد عن أن تكون ظِلالًا باهتةً أو كاملةً للدراسات الأُوربية ، حتّى وهي تناقش أحياناً أو تعارض هذه الدراسات . فهي أوّلًا : تتّبع الغربي في صميمه دون زيادة ، وهي ثانياً : تستمدّ عناصرها من الدراسات الغربية في الغالب ، وهي ثالثاً : متأثّرة بالإيحاءات الغربية من ناحية زواية الرؤية ، فهي لا تقف في المركز الإسلامي لتطلّ منه على تلك الحياة ؛ -